تجدد الحشود الشعبية في مختلف مناطق الجنوب تأكيدها الصارم على الالتفاف الوطني حول المجلس الانتقالي باعتباره الكيان الممثل لتطلعاتها السياسية الوطنية.
ويوضح هذا الزخم الجماهيري المتواصل مستويات عالية من الوعي بوزن التحديات الراهنة، مع إصرار ميداني وسياسي يشتد ثباتاً في كل محطة مفصلية خوضاً لمعركة البناء والتمكين.
ويتجاوز هذا التلاحم أنماط التأييد التقليدية ليمثل تفويضاً يرتكز على رصيد نضالي مدعوم بالتضحيات ورؤية تضع القضية الجنوبية في صدارة الأولويات.
وتبرهن استمرارية الحراك الجماهيري أن المحاولات الهادفة للالتفاف على تطلعات المواطنين أو فرض خيارات متجاوزة لإرادتهم تتكسر أمام جدار صلب يرفض التهميش والإلحاق.
ويبقى الهدف الجوهري لهذا المسار متمثلاً في استعادة الدولة كاملة السيادة على حدودها الدولية المتعارف عليها.
ولن تثني الشارع الجنوبي الضغوط الاقتصادية المتصاعدة أو حرب الخدمات الممنهجة، إذ ينظر المواطنون إلى تلك الممارسات بوصفها وسيلة استنزاف تزيدهم تمسكاً بإدارة الموارد الذاتية واستقلال القرار الوطني.
وتشكل حالة الاصطفاف الراهنة ضمانة حقيقية لمنع التراجع أو القبول بحلول ترقيعية تمس الثوابت الوطنية.
كما يستمر النضال الميداني والسياسي مستنداً إلى اليقظة والوعي حتى تتويج تضحيات الشهداء والجرحى بتأسيس البناء المؤسسي المستقل.
وتعد دماء الشهداء المحطة الأبرز في التاريخ النضالي، والركيزة التي تأسست عليها معالم الحرية والاستقلال على امتداد جبهات الدفاع عن الأرض.
ولم تكن تلك التضحيات أرقاماً عابرة للذكرى، بل ضريبة أُديت لإرساء دعائم المستقبل وحماية الهوية الوطنية من محاولات الطمس.
وتفرض القيمة السامية لهذه التضحيات على جميع القوى التعامل معها بمسؤولية أخلاقية تجعل منها حافزاً لتعزيز اللحمة الوطنية وتقوية التكاتف المجتمعي.
ومن الوفاء الحقيقي لتلك الدماء توحيد الجهود حول الغايات الكبرى والابتعاد عن استغلال ملف الشهداء في التجاذبات الحزبية الضيقة.
وتكمن الخطورة في إقحام قضية الشهداء ضمن المناكفات السياسية، وهو ما يفرغ التضحيات من قيمتها ويخدم الجهات المتربصة بالسعي لشق الصف الداخلي.
إن الشهداء قدموا أرواحهم لتظل الجبهة الداخلية متماسكة ومصانة أمام كل التحديات.
ويتجسد الوفاء العملي في تحويل ذكراهم إلى سياج مجتمعي لحماية المكتسبات الوطنية وتجاوز الخلافات الجانبية لبناء المستقبل.
ولم يعد الجنوب ساحة مفتوحة لتمرير المشاريع الإقليمية أو إعادة تدوير التجارب التي أثبتت الأيام عقمها في تحقيق الاستقرار.
ويقف المجتمع اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تؤكد أن زمن الوصاية قد انتهى، وأن إدارة الموازين السياسية أصبحت تتم بقرار وطني مستقل يضع مصلحة المواطن فوق الاعتبارات الأخرى.
وتؤكد الرسالة الموجهة للخارج أن القضية الجنوبية ليست ملفاً هامشياً يطوى في أروقة التفاهمات المغلقة أو ورقة للمساومات السياسية.
وتفرض التضحيات التي قُدمت في الميدان احترام إرادة الشارع بوصفها المحرك الأساسي لأي ترتيبات قادمة.
ولقد انتهى زمن التعاطي مع الجنوب بصفته تابعاً، حيث يرفض المواطنون مصادرة قرارهم السيادي أو إدارة شؤونهم بالإنابة من قبل أي طرف.
وتظل الأرض والثروات السيادية والموقع الاستراتيجي حقاً أصيلاً لأبنائها، ولا يملك أي طرف خارجي تصريحاً بالتصرف في هذه المقدرات أو رهنها لحسابات أيديولوجية.
وتعتبر السيطرة الوطنية على الثروات وإدارتها بكفاءة وشفافية الأساس المتين لبناء دولة قادرة على توفير العيش الكريم ومواجهة الانهيار الخدمي.
وأثبتت التجارب أن التسويات المنقوصة التي تجري بعيداً عن الإرادة الشعبية لا تنتج سوى المزيد من الأزمات والفوضى.
وسيظل حق تقرير المصير وبسط السيادة الميدانية حقاً غير قابل للسقوط تقادماً مهما عظمت الضغوط، لتظل الإرادة الشعبية حائط صد أمام محاولات فرض أمر واقع مرفوض.



