يمر الجنوب في الوقت الراهن بمنعطف سياسي بليغ الحساسية والتعقيد، إذ تتقاطع في ساحته الحسابات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتتزاحم الضغوط الناجمة عن التوازنات الخارجية مع التحديات المتراكمة في المشهد المحلي.
ويقف المواطن الجنوبي في المنتصف أمام استحقاق مصيري يتعلق بجوهر سيادته وحقه الأصيل في تحديد مساره السياسي.
وحينما تتغنّى جهات النفوذ الإدارية بشعارات القانون وبناء المؤسسات، يرى الشارع أن تلك الطروحات تفقد قيمتها عندما تُستغل الأجهزة الحكومية كأدوات للتنافس السياسي، أو عندما تُحول المستحقات الخدمية ومرتبات الموظفين وموارد الدولة إلى كروت للمساومة والضغط المعيشي.
ولا تقل الضغوط الواردة من خارج الحدود حساسية، حيث تحاول الأطراف الإقليمية والدولية إدراج ملف الجنوب ضمن مقايسات وسيناريوهات أوسع مرتبطة بتوازنات القوة والنفوذ في المنطقة.
وتتجسد الإشكالية الجوهرية في استغلال جغرافية الجنوب لتصفية الحسابات السياسية، مما يجعل المواطن هو المتضرر الأول من انعكاسات هذا التجاذب.
ويتضاعف ثمن الصراع حين تتراجع كفاءة الخدمات الأساسية، وتتأخر الاستحقاقات المالية، وتتدهور القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وتضيق فرص العيش الكريم أمام الناس.
وقد أثبتت الشواهد التاريخية والتطورات المتلاحقة أن الجنوب لا يمكن التعاطي معه كمجرد ورقة مناورة عسكرية أو جغرافية هشة تُستغل بحسب الحاجة.
فالجنوب يمتلك قضية سياسية قائمة بذاتها، ومجتمعاً يتمتع بذاكرة نضالية حية وتضحيات جسام قُدمت في مختلف المراحل.
وبالتالي، فإن أي ترتيبات وتفاهمات تتغاضى عن هذا الواقع ستظل عرضة للإخفاق والتأزم، مهما تحصنت بأدوات القوة أو النفوذ السياسي.
ومن مكامن الخطورة بمكان أن يُتعامل مع القوات المسلحة الجنوبية كقوة متوفرة للطلب تُستدعى للقتال في الجبهات، بينما تُهمش حقوق منتسبيها وتُسلب إرادتها في القرار العسكري والمالي والرعاية الميدانية.
إن القوات التي تحمي الأرض وتواجه المخاطر ينبغي أن تكون ركيزة أساسية ضمن منظومة وطنية واضحة، بعيداً عن أطماع القوى المتغيرة.
وعلى صعيد العلاقات الإقليمية، لا يمكن فصل المؤثرات الخارجية عن سياق المنطقة الإقليمية، حيث تمتلك دول الجوار مصالح أمنية واقتصادية مشروعة، إلا أن تلك المصالح لا يجب أن تتجاوز حد الشراكة لتصبح وصاية على الإرادة الشعبية.
وتبرز الفوارق شاسعة بين الشراكة القائمة على احترام المصالح المتبادلة والندية، وبين التبعية التي تجعل القرار المحلي ارتهاناً لتقلبات المواقف الخارجية.
ومن هذا المنطلق، تتجلى الحاجة الماسة لضبط علاقات الجنوب الخارجي وفق قاعدة ناصعة تتمثل في رفص التبعية وعدم معاداة أحد.
إن العلاقات المتوازنة تُعد مصدر استقرار وقوة، في حين يؤدي الارتهان الكامل إلى تضعيف موقف القرار الجنوبي وإبقائه تحت رحمة التغيرات الإقليمية.
أما في الجبهة الداخلية، فإن تصحيح الاختلالات يستوجب الابتعاد عن خطابات التخوين والاقصاء، إذ ليس كل مسؤول فاسداً ولا كل رأي مخالف مؤامرة.
ويتطلب بناء الجنوب إقامة مؤسسات راسخة، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية منضبطة، وإدارة مالية شفافة، وإعلام مسؤول يقبل بالنقد والمساءلة.
فالقضايا العادلة لا تحمي نفسها بالقمع وإسكات الأصوات، بل بالإدارة الرشيدة التي تجعل من سيادة القانون واقعاً ملموساً.
إن أشد التهديدات التي تواجه أي مشروع سياسي تكمن في تحوله إلى شعارات جائفة تخلو من البناء المؤسسي.
فالدولة لا تُبنى دون سيادة القانون، والكرامة لا تكتمل إلا باقتصاد صامد يوفر المرتبات والخدمات والأمن للمواطنين.
وبناء على ذلك، فإن المعركة السياسية الحقيقية في الجنوب تتجاوز الخصومات العابرة لتستهدف منظومة الفساد والاختلالات المتراكمة منذ سنوات طويلة.
وهذه المواجهة تتطلب وعياً سياسياً يميّز بين الاختلاف المشروع والمصلحة الوطنية، وبين الشراكة والوصاية.
ولا يمكن صون القضية الجنوبية إلا بتماسك الجبهة الداخلية، واجتثاث الانقسامات والمناكفات المناطقية، حيث إن وحدة الصف لا تعني إلغاء التنوع بل إدارته برشد وتحكيم العقل.
كما أن حماية تطلعات الشارع تتطلب تقديم نموذج مختلف في إدارة المحافظات يلمس فيه المواطن أن السلطة وُجدت لخدمته، وأن الوظيفة العامة والمال العام ليسا غنيمة سياسية.
وفي ظل هذه المعادلات، تبقى استقلالية القرار السياسي الجنوبي هي المحور الأساسي للعملية برمتها.
فالقرارات التي تُصاغ في الغرف المغلقة بعيداً عن إرادة أبناء الأرض لن تعبر عن تطلعاتهم مهما زُينت بالوعود.
ولا يحتاج الجنوب إلى مزيد من النزاعات الاستنزافية بقدر حاجته إلى تثبيت استقراره الأمني، وتحسين معيشة أبنائه، وحماية موارده الاقتصادية، وتطوير مؤسساته.
وإن الرسالة الصريحة التي تتشكل اليوم تؤكد أن كرامة المواطن والقرار السياسي الجنوبي ليسا محلاً للمساومة، وأن العلاقات مع الخارج يجب أن تتأسس على الاحترام والندية.
والجنوب اليوم يمر بمفترق طرق حاسم يوجب تحويل التضحيات إلى مشروع دولة مؤسسية تحمي المجتمع وتصون الإرادة الوطنية من الاستنزاف والضغوط.



