الصدفة لا تصنع أزمتين متلازمتين تضربان معاً شرياني الحياة في مدينة عدن، الكهرباء والغذاء. ما نشهده هو تراكم طبقي لإخفاقات منظومة حكم لا تملك إرادة الإصلاح ولا القدرة على إدارة الملفات الأبسط. أزمة الكهرباء 30 مليون دولار خدمةً بلا أجر حيث نقل عمال قطاع العقلة النفطي في شبوة خلال الأشهر الماضية أربعة ملايين برميل من النفط الخام بقيمة ثلاثين مليون دولار لتغذية محطة بترومسيلة لتوليد الكهرباء في عدن، وفعلوا ذلك بينما تراكم ديون رواتبهم لدى وزارة المالية التي أصدرت توجيهات بصرفها ثم تجاهلتها. حين استنفدت اللجنة النقابية كل وسائل المطالبة السلمية، لم يبقَ أمامها سوى القرار الذي أعلنته وهو تعليق عمليات النقل ابتداءً من الثلاثاء. المعادلة مؤلمة في بساطتها، عمال ينتجون الوقود الذي يُضيء مدينة لا تعرف الإضاءة، ويتقاضون في المقابل وعوداً لا تُضيء بيوتهم. والنتيجة الحتمية أن ساعات الانقطاع التي تتجاوز الثماني عشرة ساعة يومياً في عدن ستتمدد أكثر حين تتوقف صهاريج الوقود، في مدينة تعاني أصلاً من انهيار كامل في منظومة التوليد. السؤال الذي لا يجيب عنه أحد هو أين ذهبت عائدات الثلاثين مليون دولار من النفط المنقول؟ وإذا كانت وزارة المالية عاجزة عن صرف رواتب عمال نقلوا نفطاً بهذه القيمة، فإلى أي جيب يذهب الفرق؟ أزمة الغذاء جمارك المهرة تحوّل الدقيق ترفاً** على الطرف الآخر من الجنوب، تكشف مصادر مطلعة في محافظة المهرة عن قفزة جمركية لا تُصدَّق في منفذ شحن الحدودي مع سلطنة عمان حيث قفزت رسوم الدقيق على ثماني قاطرات من أربعة ملايين ريال إلى أكثر من اثنين وثمانين مليوناً، ورسوم زيت الطعام على قاطرتين ارتفعت من اثني عشر مليوناً إلى سبعين مليوناً. ضرب حسابي بسيط يكشف أن الرسوم تضاعفت بين خمسة عشر وعشرين ضعفاً في أيام معدودة. هذه الأرقام لا تعيش في جداول وزارية مجردة، بل تتحول مباشرة إلى أسعار في أسواق المهرة وعدن وما بينهما. التاجر الذي يدفع سبعين مليوناً رسوماً على شحنة زيت كان يدفع عليها اثني عشر مليوناً لن يبتلع الفرق، بل سيحمّله لأسعار المستهلك الذي لا يستطيع تحمّل السعر الأصلي أصلاً. ولا يمكن قراءة هذه القفزة الجمركية المفاجئة بمعزل عن سياقها فهل هي سياسة إيراد مشروعة أم أداة ابتزاز تجاري تعمل في ظل غياب الرقابة؟ ومن يقف خلف قرار يُقيّد الغذاء الأساسي عن جنوب يرزح تحت أزمة معيشية خانقة؟ نمط واحد خلف أزمتين** ما تجمعه هاتان الأزمتان أعمق من التزامن الزمني. ففي شبوة عمال أنتجوا ثروة ولم يتقاضوا أجرهم. وفي المهرة تجار يستوردون غذاءً أساسياً ويُفاجأون برسوم تجعل الاستيراد شبه مستحيل. الجامع بينهما غياب مؤسسة دولة تعمل لصالح المواطن، وحضور منظومة إدارة تستخرج الثروة وتستنزف التجارة وتعيد توزيع الفقر. عدن التي تستقبل نتائج الأزمتين معاً تجد نفسها أمام صيف من المرجح أن يكون الأصعب حيث كهرباء تنقطع أكثر بسبب توقف الوقود، وأسعار غذاء تقفز بسبب جمارك المهرة، في مدينة استنزفتها الأسابيع الماضية بالرصاص والمدرعات والانتقالات السياسية. المواطن الذي بقي في بيته يتابع المليونيات ويحتسي مرارة الكهرباء المنقطعة، سيجد نفسه قريباً أمام مرارة أثقل: سعر الدقيق الذي لم يعد في متناول اليد.