الكهرباء ظلام يمتد وصيف يقتل** لم تعد انقطاعات الكهرباء في مدن الجنوب مجرد إزعاج يومي، بل تحولت إلى كارثة إنسانية صامتة تتجلى فصولها مع كل ارتفاع في درجات الحرارة الصيفية. تعاني عدن وحضرموت وشبوة وأبين ولحج من انقطاعات تمتد لأكثر من عشرين ساعة يومياً في أحياء بأكملها، فيما يلجأ من يملكون ثمن الوقود إلى مولدات خاصة باتت ترهق ميزانيات الأسر المنهكة أصلاً. وفي المستشفيات، تعمل غرف العمليات والعناية المركزة على حافة الانهيار، فيما تفسد الأدوية واللقاحات في ثلاجات لا تجد كهرباء تُشغّلها، ويدفع المرضى الثمن صامتين. أئمة مساجد حضرموت وصفوا الأمر في بيانهم الأخير بأنه منكر عظيم شرعاً لا يجوز السكوت عليه، فيما تستعد المحافظة للخروج في عصيان مدني شامل هذا الأسبوع. المياه أزمة تُضاف إلى أزمة** مع توقف محطات الضخ جراء انعدام الوقود والكهرباء، باتت آلاف الأسر في مناطق متفرقة من الجنوب تقطع مسافات وتدفع مبالغ طائلة للحصول على صهاريج مياه لا تضمن نظافتها ولا سلامتها. وتتضاعف المأساة في ظل موجة الحر، حيث تُسجّل حالات إصابة بأمراض منقولة بالمياه الملوثة كحمى الضنك التي حصدت في عدن وحدها اثنتي عشرة وفاة وأكثر من ألف وثلاثمائة إصابة خلال أقل من ستة أشهر، وفق تقرير وبائي رسمي صدر مؤخراً، وكان أكثر من نصف ضحاياه من الأطفال والشباب. العملة والأسعار: تآكل صامت يسحق القدرة الشرائية** يشهد الريال اليمني تدهوراً متسارعاً في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً لا يُعلَن عنه رسمياً، لكن آثاره تطغى على كل بيت ومحل وسوق. أسعار المواد الغذائية الأساسية تضاعفت في أسواق عدة خلال أشهر قليلة، وباتت شريحة واسعة من السكان عاجزة عن تأمين وجبات يومية كاملة لأسرها. وفي شبوة، وثّقت مصادر محلية بيع دبة وقود سعة عشرين لتراً بخمسين ألف ريال في السوق السوداء، وهو رقم يعكس حجم الانهيار النقدي قبل أن يعكس أزمة الوقود ذاتها. الرواتب: سلاح التجويع الهادئ** يمثل ملف الرواتب الوجه الأشد قسوة في هذه المنظومة، إذ يرزح عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين والعسكريين والأمنيين تحت وطأة تأخيرات ممنهجة في صرف مستحقاتهم. جندي يحمل سلاحه في الشارع لا يعرف متى يتقاضى راتبه، وموظف في مستشفى أو مدرسة يواظب على عمله دون ضمان أن يجد ما يطعم به أولاده في نهاية الشهر. وتُشير شهادات ميدانية إلى أن بعض الموظفين لم يتسلموا رواتبهم منذ أشهر متتالية، في حين تتحدث الحكومة عن إصلاحات مالية وخطط تنموية لا يرى المواطن منها شيئاً على أرض الواقع. سلطات تتقاتل وشعب يتآكل** ما يجعل هذه الأزمة المركّبة أشد إيلاماً هو التناقض الصارخ بين حجمها وحجم الاهتمام الرسمي بها. ففي الوقت الذي يتجادل فيه قياديو الشرعية من منافيهم حول من يملك الصفة الحزبية الشرعية، ويتبادل المسؤولون الاتهامات في بيانات لا تصل إلى مواطن يجلس في الظلام، تتراكم الكوارث طبقةً فوق طبقة في حياة الناس. والأخطر من كل ذلك أن صمت المجتمع الدولي ودول الوصاية إزاء هذا الانهيار المتعمد يمنح السلطات المدعومة سعودياً ضوءاً أخضر ضمنياً للاستمرار في سياسات التجاهل والإفقار، بينما يجد المواطن الجنوبي نفسه وحيداً في مواجهة آلة إهمال لا تتوقف.