تُشير تحليلات إلى أن المشهد السياسي في الجنوب واليمن عموماً قد وصل إلى مرحلة من التعقيد، مما يدفع إلى إعادة تقييم دور استعادة دولة الجنوب كعنصر محوري في معادلة الأمن الإقليمي.
وتكشف الأحداث الأخيرة في محافظات الجنوب، وما صاحبها من استهداف لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، عن وجهة نظر لدى كثير من المتابعين مفادها أن التسويات التي ترعاها المملكة العربية السعودية وتشارك فيها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تواجه تحديات.
وتوجه انتقادات لهذه الحكومة بأنها لم تتمكن من استعادة الدولة أو حماية الأراضي أو توحيد الصف، بينما يرى مراقبون جنوبيون أن الجنوب تحمل تكاليف باهظة من تضحيات وموارد.
شاركت القوى الجنوبية التي تسعى لاستعادة دولتها في التحالف العربي، مدفوعةً بقناعة بأن ذلك سيؤدي إلى مشروع إقليمي يحفظ أمن المنطقة ويصون المصالح المشتركة ويمنح الجنوب حقه في تقرير المصير.
إلا أن السنوات اللاحقة حملت تطورات مختلفة عما كان متوقعاً، حيث يرى كثيرون أن المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي واجها معادلة سياسية تُعيد إنتاج الأزمات وتمنح أطرافاً أخرى فرصاً على حساب قضية الجنوب في استعادة الدولة كاملة السيادة.
وفي المقابل، تُوجه انتقادات للقوى التي تمثل الحكومة المعترف بها دولياً بأنها بقيت خارج البلاد، وعجزت عن ممارسة وظائف الدولة، وابتعدت عن ميادين المواجهة.
تفرض التحولات السياسية والعسكرية الراهنة في المنطقة قراءة مختلفة لأحداث العقد الماضي.
ففي نظر قطاعات واسعة من الجنوبيين، بدا الرهان على تجاوز إرادة الجنوب أو محاولة إخضاع قضيته لتسويات إقليمية رهاناً خاسراً، معتبرين أن الشعوب التي قدمت تضحيات من أجل حريتها لا يمكن أن تتنازل عن حقوقها التاريخية والوطنية تحت ضغط المصالح المؤقتة.
وفقاً لبعض الآراء، تعرضت الهوية الوطنية والجغرافيا الجنوبية لمحاولات تشويه وإضعاف من قبل أطراف يمنية وقوى محلية مدعومة من التحالف، بهدف الحصول على السلطة بدلاً من الدفاع عن المشروع الوطني.
وعليه، يدور الصراع بين تيار يسعى لاستعادة دولة الجنوب كاملة السيادة، وتيارات أخرى ترى في استمرار الوضع الراهن تحقيقاً لمكاسب سياسية آنية، حتى لو أدى ذلك إلى استمرار الأزمات وتعميق الانقسامات.
في ظل هذه المتغيرات، يطرح مراقبون تساؤلات حول أسباب تراجع العلاقة مع الحلفاء الذين شكلوا ركيزة رئيسة في مواجهة التحديات الإقليمية، وذلك في سياق تطورات متسارعة واتساع نطاق التوتر ليشمل الإقليم، بما في ذلك العراق والبحر الأحمر وما حولهما.
كما يتساءل هؤلاء عن تهميش الدور الذي اضطلعت به دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب القيادة الجنوبية المتمثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي، رغم حضورهما الميداني والسياسي خلال سنوات المواجهة.
تكشف المتغيرات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة، وما تشهده من تمدد للأزمات وتشابك لمسرح العمليات من اليمن إلى العراق ومن البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي، أن الحسابات السابقة قد لا تكون كافية لإدارة تحديات اليوم.
ويُشار إلى أن التحالفات تُبنى على المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، وليس على التكتيكات المؤقتة، وأن استبعاد القوى الفاعلة ذات الحضور الشعبي والميداني قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة.
وفي هذا السياق، يعتقد كثير من الجنوبيين أن قضية استعادة الدولة كاملة السيادة لم تعد مجرد ملف داخلي يمكن تأجيله، بل أصبحت عنصراً أساسياً في معادلة الأمن الإقليمي.
ويرون أن أي مقاربة لا تعترف بوجود قضية وطنية واضحة وقيادة سياسية تتمتع بقاعدة شعبية، ستظل عاجزة عن تحقيق سلام دائم أو استقرار حقيقي.
لقد أثبتت التجارب أن تجاهل الحقائق على الأرض لا يؤدي إلى حلول مستدامة، وأن بناء السلام يتطلب الاعتراف بالوقائع السياسية والاجتماعية القائمة.
ويدعو هذا المنظور إلى معالجات عادلة تضمن حقوق جميع الأطراف، وتؤسس لشراكات متوازنة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
يبقى السؤال مطروحاً أمام صناع القرار في الإقليم حول ضرورة إعادة مراجعة الحسابات السياسية، والاعتراف بأن الجنوب أصبح عنصراً مهماً في معادلة المنطقة.
كما تُطرح تساؤلات حول ما إذا كانت ضرورات المرحلة تتطلب إعادة بناء التحالفات على أسس أكثر واقعية وإنصافاً، بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها، ويمنح شعوبها فرصة للخروج من الصراعات الممتدة.
يُشير التاريخ إلى أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها وتصون هويتها، قد تتأخر في تحقيق أهدافها لكنها لا تتخلى عنها.
ويرى محللون أن إرادة الشعوب في تقرير مصيرها تبقى عاملاً حاسماً، وأن الحق يظل حاضراً في ضميرها حتى يتحقق، مما يؤسس لاستقرار آمن للدول في المنطقة التي يجب أن تراعي مصالحها بصورة متساوية ومشتركة.



