لم تعد الضائقة الخانقة في أسطوانات الغاز التمويني داخل عدن مجرد شح طارئ في مادة أساسية، بل اتسعت لتتحول إلى معركة يومية تنهك قوى السكان وتستنزف أوقاتهم، متصدرة قائمة الاحتياجات الأشد إلحاحاً للأسر المتضررة.
تتشكل المشاهد المأساوية مع تباشير الصباح الأولى عندما يغادر أرباب البيوت منازلهم حاملين الأسطوانات الفارغة بعد مصافحة أطفالهم وتلقي وصاياهم المشددة بعدم العودة إلا مع الغاز.
يقصد الأهالي محطات التوزيع لتفاجئهم طوابير امتدت لمسافات تضم أعداداً غفيرة من المواطنين الكادحين الباحثين عن القوت، ورجالاً كباراً في السن تعجز أقدامهم عن تحمل الوقوف الطويل، ونساء يتكبدن حمل أسطوانات ثقيلة.
تتوالى الساعات تحت لهيب الشمس الحارقة في أحياء عدن دون تحرك ملموس للصفوف الممتدة، وسط إعياء شديد وجفاف في الحناجر، مع تمسك الجميع بالأمل نظراً لوجود أطفال ينتظرون طعامهم في المنازل.
ينتهي الانتظار الصارم بالصدمة المعتادة حين يعلن القائمون على المحطات نفاد الكمية المتاحة بالكامل.
تتفرق الجموع بخفي حنين حاملة خيبة أمل تفوق ثقل الأسطوانات التي أتوا بها.
وأعرب أحد المواطنين أثناء مغادرته المحطة خالي الوفاض عن حسرته متسائلاً عن كيفية إقناع صغاره بأنه أمضى ثلاث ساعات متواصلة في الانتظار دون أمل في الحصول على أسطوانة واحدة.
وتواجه الأمهات أسئلة معقدة من الأبناء بشأن تأخر وجبات الغداء، حيث لا يكمن السبب في غياب مكونات الطعام وإنما في تعذر توفير الشعلة الأساسية للطهي.
ويرى متابعون أن المشهد الراهن يجسد مستوى الانحدار المعيشي الحاد الذي يكابده الأهالي في عدن والمناطق الخاضعة لسلطة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المدعومة من التحالف.
وتأتي هذه الانتكاسة امتداداً لسلسلة أزمات متلاحقة أرهقت السكان في قطاعات الكهرباء والمياه وهبوط القدرة الشرائية للرواتب، مما جعل الحصول على مستلزمات المعيشة البسيطة صراعاً شاقاً.
ويردد الشارع في عدن مطالبات تتركز على حماية الخدمات الأساسية مثل استمرار التيار الكهربائي والمياه وصرف مرتبات مجزية وتوفير غاز الطهي دون هدر نصف اليوم في الصفوف.
وتتزامن هذه الاختناقات المتكررة مع إقبال واسع على استهلاك الغاز كبديل للمشتقات النفطية نتيجة ارتفاع أسعار البنزين، إلى جانب هبوط مستويات التوريد الرسمية، الأمر الذي انعكس في انتعاش السوق السوداء وتضاعف أسعار الأسطوانات إلى أكثر من الضعف.
وجدد المواطنون مناشداتهم للجهات المعنية بضرورة الإسراع في ضبط قنوات التوزيع وملاحقة المحتكرين، مشددين على أن استمرار هذا التدهور يحول الحياة اليومية للناس إلى طابور دائم من المعاناة.



