تتضاعف وتيرة التدهور الخدمي والمعيشي في مدينة عدن منذ عدة أشهر متواصلة، إذ أدى تراجع أداء المؤسسات الخدمية إلى وضع الأهالي أمام خيارات قاسية لتوفير أدنى مقومات الحياة اليومية.
وتتصدر قائمة الأزمات اليومية مشكلة انعدام غاز الطهي التي دخلت شهرها السادس على التوالي، مسببة اصطفافاً طويلاً للمواطنين أمام منافذ التوزيع، حيث يقضي الأهالي ساعات طوال في الانتظار دون تمكن الكثير منهم من الحصول على أسطوانة واحدة.
وشهدت الأيام القليلة الماضية انقطاعاً أشد حدة عقب إغلاق العديد من محطات التعبئة أبوابها، الأمر الذي ألقى بظلاله المباشرة على حركة تنقل المركبات وحافلات النقل الداخلي نتيجة شح الوقود والغاز المخصص لتشغيلها.
ولم تقتصر الآثار المترتبة على شح الغاز على قطاع النقل والمواصلات فحسب، بل امتدت لتطال المطابخ داخل المنازل، حيث أجبر الارتفاع الباهظ في التكاليف وصعوبة الحصول على المادة مئات العائلات على اعتماد الحطب كبديل أساسي في إعداد الوجبات، في مشاهد تعيد إلى الأذهان أنماط عيش قديمة كانت قد اندثرت منذ عقود.
ويؤكد أهالي المدينة أن استخدام الحطب لم يعد ممارسة استثنائية محصورة لدى فئات معينة، بل تحول إلى خيار إجباري لا مفر منه للتعامل مع غياب الغاز، مما يضاعف الكلفة المالية والمشقة البدنية خصوصاً لدى الأسر ذات الدخل المحدود.
وعلى صعيد متصل، تعاني مناطق شاسعة في المدينة من انقطاع شريان المياه بشكل تام، مما اضطر المواطنين إلى ابتداع وسائل ذاتية لمواجهة الشح الجاري في الإمدادات.
وعمد سكان في عدة أحياء سكنية إلى حفر آبار مائية داخل أفنية منازلهم أو في المساحات المحيطة بها بأساليب بدائية تفتقر للتجهيزات الفنية، أملاً في استخراج مياه صالحة للشرب والاستخدامات اليومية.
وتنعكس هذه الظاهرة المتزايدة في عمق الأزمة المائية التي تحاصر السكان، حيث باتت أسر عديدة تعتمد كلياً على تلك المصادر الذاتية بعد تعثر وصول الشبكة العامة، بينما تلجأ أسر أخرى إلى شراء صهاريج المياه بأسعار مرتفعة تنهك ميزانياتها المتهالكة.
ويرى مواطنون أن التوسع في الاعتماد على مياه الآبار غير الخاضعة للفحص الدوري والرقابة الصحية يشكل خطراً صحياً وشيكاً يتعلق بجودة المياه ونظافتها، مستدعين ضرورة التحرك العاجل لإيجاد معالجات جذرية لشبكة المياه.
ولم تكن منظومة الكهرباء بمعزل عن هذا التردي، إذ يواجه السكان انقطاعات متواصلة للتيار تزيد على 15 ساعة يومياً في معظم الأحياء، ما يضاعف خطورة الأوضاع الصعبة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتأثيرها المباشر على كبار السن والأطفال.
وألقت ساعات الإطفاء الطويلة بظلالها السلبية على المحال التجارية والأنشطة الخدمية، فضلاً عن إرباك قدرة المواطنين على تخزين الأغذية وتشغيل المستلزمات المنزلية الأساسية، مما فرض تكاليف إضافية لشراء وسائل طاقة بديلة.
ويتفق أهالي عدن على أن تشابك هذه الأزمات الخدمية وتزامنها يسهم في شلل تام لمتطلبات الحياة، إذ يجد المواطن نفسه ملاحقاً بعدة أزمات مركبة تستنزف وقته وجهده وقوته اليومي.
وفي هذا السياق، أوضح الصحفي قاسم لزرق أن ما تعيشه مدينة عدن من تدهور متلاحق يجسد المأساة الحقيقية التي يمر بها الأهالي، مؤكداً أن استمرار انقطاع الخدمات الرئيسية من طاقة ومياه وغاز منزلي حول حياة الناس إلى مكابدة يومية شاقة.
وأشار لزرق إلى أن المواطنين باتوا يتحملون تبعات مالية ونفسية فادحة جراء تراجع الخدمات واللجوء للبدائل المكلفة، مشدداً على أن معالجة هذا الملف تتطلب قرارات عملية وحلولاً مستدامة بعيداً عن سياسة الترقيع وإدارة الأزمات بشكل مؤقت.
وتتزايد الضغوط والمطالبات الشعبية في عدن بضرورة إنهاء المعاناة وإيجاد معالجات حاسمة لأزمات الغاز والمياه والكهرباء، وبما يضمن إعادة الحد الأدنى من الاستقرار للخدمات المرتبطة بحياة المواطنين اليومية.



