تشهد هضبة حضرموت حراكاً سياسياً وقبلياً محموماً في ظل عدم وجود دلائل جوهرية تسير نحو تغيير قبائل الحموم لموقفها الركيزي، على الرغم من فتحها قنوات اتصال ممتدة مباشرة مع المحافظ سالم الخنبشي.
ويعكس هذا التطور دلالات فارقة في الخارطة السياسية والميدانية للمحافظة.
وتعود خلفيات هذا المشهد إلى الثالث والعشرين من أغسطس الجاري، عندما شهدت منطقة الحرحير بمديرية الشحر اجتماعاً استثنائياً ضم مقادمة ومناصب وأبناء قبائل الحموم، حيث حمّل المجتمعون سلطة مجلس القيادة الرئاسي والجهات التنفيذية المحلية كامل المسؤولية عن عرقلة استعادة عمرو بن حبريش لنشاطه وحرية تحركه.
واشترط التكتل القبلي حينها ضرورة إنهاء التضييق على بن حبريش فوراً ودون أي إملاءات أو شروط، معلنين منح الجهات المعنية مهلة زمنية أمدها أسبوع واحد، ومتوعدين باللجوء إلى كافة الخيارات المتاحة فور انقضائها.
وفي تطور لافت للنظر، عقد المحافظ سالم الخنبشي جلسة مباحثات في السابع والعشرين من أغسطس مع مقادمة قبائل الحموم، جرى خلالها النقاش حول آليات استمرار التنسيق وتبادل التواصل لتوحيد الصف وتعزيز خدمات المواطنين ودعم الاستقرار والتنمية.
وتستدعي هذه المستجدات التمييز بين التقارب الميداني الملاحظ بين الطرفين وبين فرضية الانتقال الكامل لقبايل الحموم إلى معسكر المحافظ الخنبشي والمجلس التنسيقي، إذ لا تتوفر شواهد كافية تؤكد تحول موقفهم الكلي.
وتؤشر تفاصيل التوقيت الخاص بهذا اللقاء إلى كونه مسعى مكثفاً لاحتواء الاحتقان المتصاعد وتفادي المواجهة، وليس إعلاناً رسمياً عن حسم ملف الخلافات الجوهرية.
وما تزال القضية المحورية لكتلة الحموم القبيلة تتمحور بشكل أساسي حول ملف إعادة بن حبريش والتراجع عن القرارات المتخذة بحقه.
ولم يحمل البيان الصادر في الثالث والعشرين من أغسطس أي مضامين تأييد لمشروع المجلس التنسيقي أو للمحافظ الخنبشي، بل جاء بمثابة ورقة ضغط سياسية وقبيلة متقدمة على سلطة مجلس القيادة الرئاسي والإدارة المحلية.
وفي السياق ذاته، يسرع المحافظ الخنبشي خطواته نحو عقد المؤتمر التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى في الحادي والثلاثين من أغسطس، وذلك عقب إتمام اللجنة التحضيرية جولات ميدانية شاملة غطت مناطق الساحل والهضبة والوادي والصحراء.
ويكتسب لقاء الخنبشي بقبائل الحموم قبل أربعة أيام فقط من موعد المؤتمر التأسيسي أهمية سياسية تتجاوز الأبعاد البروتوكولية المتعارف عليها.
وتبين المصادر المتابعة لمسارات الخلاف داخل المحافظة أن عمرو بن حبريش كان مدرجاً ضمن قوام اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي في مراحلها الأولى، قبل أن يقدم اعتذاره عن الاستمرار، لتواصل السلطات المحلية خططها واستعداداتها لعقد المؤتمر التأسيسي منفردة.
وفي الخامس والعشرين من أغسطس، اتجه بن حبريش نحو خطوات منفصلة تمثلت في تدشين لجنة مختصة لمتابعة مشروع الحكم الذاتي ل حضرموت.
وتتجه الأوضاع في المحافظة نحو مسارين سياسيين متوازيين، حيث يمثل المسار الأول رؤية الخنبشي عبر المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى المقرر إعلانه رسمياً في الحادي والثلاثين من أغسطس، فيما يمثل المسار الثاني تحركات بن حبريش وحلف قبائل حضرموت للتمسك بمشروع الحكم الذاتي والمطالبة برفع القيود عنه.
وتقف قبائل الحموم في منتصف هذا التجاذب السياسي، باعتبارها ثقلاً مجتمعياً وجغرافياً رئيسياً ضمن بنية حلف قبائل حضرموت والداعمين لبن حبريش.
ويسعى الخنبشي من خلال تحركاته الأخيرة إلى استقطاب قبائل الحموم لتكون جزءاً من الترتيبات الجديدة، أو التوصل إلى تفاهمات تضمن حيادها وعدم تحولها إلى جبهة معارضة صريحة للمجلس التنسيقي.
وفي المقابل، تتعامل قبائل الحموم مع الحوار المباشر بمرونة تكتيكية دون إسقاط ورقة بن حبريش أو التنازل عن شروطها المعلنة.
ولو كانت قبائل الحموم قد اتخذت قراراً نهائياً بالانضمام الكامل لمشروع الخنبشي، لكانت المشاهدات الميدانية قد سجلت صدور بيان تأييد صريح للمجلس التنسيقي، أو مشاركة رسمية في أعمال اللجان التحضيرية للمؤتمر التأسيسي، إضافة إلى إلغاء مهلة الأسبوع أو إعلان تسوية شاملة للنزاع.
وتتجه الأنظار نحو التاريخ الفاصل لانتهاء مهلة الأسبوع المعلنة من الحموم في الثلاثين من أغسطس، أي عشية انعقاد المؤتمر التأسيسي للمجلس التنسيقي، ما يجعل التطورات خلال هذه الساعات حاسمة للغاية.
وفي حال صدور بيان جديد عن قبائل الحموم يؤكد التمسك بمطالبهم السابقة أو الدعوة لاجتماع طارئ للحلف، فإن ذلك سيشكل دليلاً قطعياً على تعثر جهود الاحتواء التي قادها المحافظ الخنبشي.
أما في حال التوصل إلى بيان مشترك يرحب بالمؤتمر التأسيسي أو يعلن الانضمام إليه، فسينقل ذلك الخارطة السياسية في حضرموت إلى مرحلة جديدة تماماً.
وتكشف المعطيات حتى هذه اللحظة عن وجود تقارب تكتيكي بين الطرفين لتهدئة الموقف، دون أن يتحول ذلك إلى اندماج سياسي كامل في مشروع المجلس التنسيقي، حيث يمثل لقاء السابع والعشرين من أغسطس خطوة أخيرة لتفادي صدام سياسي قبلي قبل موعد الحادي والثلاثين من أغسطس.



