تأتي الذكرى الخامسة والخمسون للتأسيس الرسمي للمؤسسة العسكرية الجنوبية لتستحضر سجلاً حافلاً بالمعارك الوطنية وصيانة الهوية والجغرافيا.
تعود الإرهاصات المبكرة لبناء التشكيلات المسلحة في الجنوب إلى العام 1905 حين أقدمت الإدارة البريطانية على إنشاء كتائب محلية لتثبيت النفوذ، قبل أن تتحول تلك النواة بمرور العقود إلى ركيزة جرى تعريبها وتطويرها وطنياً.
وعقب اندلاع ثورة الرابع عشر من أكتوبر وتحقيق الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967، اندمجت القوات والمحميات السابقة وجيش اتحاد الجنوب العربي مع الفصائل الثورية المسلحة لتشكيل الجيش الوطني لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية تحت قيادة وزارة الدفاع.
وشهد العام 1970 تدشين أول كلية عسكرية في منطقة صلاح الدين بالعاصمة عدن على أنقاض مركز التدريب السابق، لتتخرج الدفعة الأولى منها في الأول من سبتمبر 1971، وهو التاريخ الذي اعتمد عيداً رسمياً للقوات المسلحة الجنوبية.
وعلى صعيد الاعتراف الدولي، حظيت الدولة الفتية بعيد استقلالها باعتراف المملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا الغربية إلى جانب مصر وسوريا والعراق، وانضمت للأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1967 ثم لصندوق النقد والبنك الدوليين في أكتوبر 1969.
واستقبلت عدن أول بعثة سوفيتية لتأسيس السفارة في ديسمبر 1967، متبوعة بطاقم دبلوماسي دائم في فبراير 1968 وصولاً إلى تعيين أول سفير فلاديمير نكراسوف في نوفمبر من العام نفسه.
وعلى المستوى الدفاعي، زار وزير الدفاع علي سالم البيض العاصمة موسكو بعد ثلاثة أشهر من الاستقلال، يعقبه وصول وفد عسكري سوفيتي بقيادة الجنرال ألكسندر نكراسوف إلى عدن في مارس 1968 في زيارة استغرقت أربعة أيام لمعاينة الاحتياجات الميدانية.
وأبرم الجانبان اتفاقية تعاون فني وعسكري في أغسطس 1968، حيث وصلت الشحنة الأولى من السلاح في يوليو 1968، تلتها دفعة موسعة في يناير 1969 شملت 10 طائرات مقاتلة من طراز ميغ-17 وصواريخ جو-أرض ومدافع مضادة للطيران ورادارات محمولة وقطع غيار وذخائر.
كما شمل التعاون الإقليمي اتفاقية عسكرية مع الجمهورية العربية السورية عام 1970 تضمنت إرسال خبراء ومستشارين لتأسيس الكلية العسكرية وأطباء وطيارين للعمل على طائرات ميغ-17.
وتكللت مراحل التطوير بتوقيع معاهدات الصداقة مع الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي للترقية التسليحية وتدريب الكوادر.
وخلال عقدين من العمل التنظيمي، امتلك الجنوب جيشاً نظامياً تراوح قوامه بين 80 ألفاً و100 ألف ضابط وجندي، مدعوماً بقوات احتياط وميليشيا شعبية تضم 60 ألف مقاتل.
وضمت البنية التحتية للهيئة العامة للأركان كليتين عسكريتين للعلوم العسكرية والطيران والبحرية، و12 مدرسة تخصصية، و8 ورش صيانة مركزية و216 ورشة فرعية، ولواء نقل عام يملك أكثر من 2,500 آلية مختلفة.
وشملت المرفقات الصحية والعقارية 3 مستشفيات مركزية و164 مركزاً طبياً ومدرسة طبية عسكرية، ومصنعاً للذخيرة، و16 مزرعة إنتاجية للتموين، و150 ألف متر مربع من العقارات العسكرية، و16 منشأة خدمية وترفيهية، وأكثر من 20 مؤسسة تعليمية كمدارس البدو الرحل ومؤسسة النجمة الحمراء.
وشكلت القوات الميدانية 40 لواءً نظامياً يتوزعون على المشاة والميكانيكي والدبابات والمدفعية والصواريخ والدفاع الجوي والبحرية.
وتضمنت القوة الضاربة 3 ألوية دبابات و10 كتائب مستقلة تملك 550 دبابة حديثة، و3 ألوية مدفعية تملك 480 مدفعاً وراجمة صواريخ، ولواء صواريخ تكتيكية من طرازي لونا وتوتشكا ولواء صواريخ سكود بإجمالي 21 منصة إطلاق ثابتة ومتحركة، إضافة إلى 3 ألوية للميليشيا الشعبية و3 ألوية احتياط.
وفي سلاح الجو والدفاع الجوي، امتلك الجنوب 3 ألوية طيران قتالي تضم 92 طائرة ميغ وسوخوي، و3 ألوية مروحيات تضم 48 طائرة، ولواء نقل جوي يمتلك 12 طائرة شحن عملاقة، و3 ألوية دفاع جوي و10 كتائب مستقلة، متوزعة على 5 مطارات عسكرية وقاعدتين جويتين.
وفي الجانب البحري، ضمت القوات البحرية 6 ألوية تشمل 12 زورق صواريخ وطوربيد، و15 زورق دورية واستطلاع، و7 سفن إسناد، و8 سفن إنزال ونقل.
وسجلت المؤسسة العسكرية الجنوبية حضوراً عربياً بارزاً عبر تأمين الملاحة في بحر العرب والبحر الأحمر دون تسجيل أي حادثة قرصنة، ودعم منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات، وإغلاق مضيق باب المندب بوجه الملاحة الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر 1973، وإرسال وحدات مساندة إلى ليبيا عامي 1978 و1982، والمشاركة في حماية لبنان عام 1982 ضد الاجتياح الإسرائيلي.
وعقب إعلان الوحدة عام 1990، تعرضت المؤسسة العسكرية لاستهداف ممنهج تمثل في اغتيال أكثر من 160 قيادياً جنوبياً حتى نهاية 1993، ونقل الألوية إلى المحافظات الشمالية لتسهيل حصارها قبل حرب صيف 1994 التي انتهت بالتسريح القسري لعشرات الآلاف من الضباط والجنود وإغلاق المعاهد العسكرية أمام أبناء الجنوب.
واليوم، تواجه القوات الجنوبية المعاصرة المنبثقة عن المقاومة والحراك الشعبي حرباً نفسية وإعلامية واسعة تسعى لاستهداف المشروع الوطني وتشتيت الجهود التوحيدية تحت مظلة المجلس الانتقالي، مما يتطلب استلهام خبرات الكوادر التاريخية وتوظيف العلوم العسكرية الحديثة لبناء قوة متماسكة تحمي الأرض وتضمن استعادة الدولة.



