تشهد الساحة السياسية المرتبطة بالمشهد الجنوبي تحولات غير معلنة تتجاوز نطاق الفعاليات المحلية والتصريحات الإعلامية المعتادة، حيث تتجه القضية نحو مرحلة دقيقة تتصدرها الاتصالات الخارجية وإعادة ترتيب أوراق التفاوض بعيداً عن الأضواء.
وتأتي هذه التطورات في ظل تحركات دبلوماسية بارزة لقيادات المجلس الانتقالي، من بينها الأنباء التي تداولتها وسائل إعلام متعددة حول زيارة غير معلنة قام بها عيدروس الزبيدي إلى العاصمة الروسية موسكو دون الكشف عن جدول لقاءاته أو أطرافها، بالتزامن مع نشاط مستمر لعمرو البيض منذ عدة أشهر في عدد من العواصم الغربية لعرض رؤية المجلس بشأن مستقبل المنطقة أمام أوساط سياسية وإعلامية وحقوقية.
ولم تكن هذه التحركات السياسية في الخارج بعيدة عن الأجندة التنظيمية للمجلس الانتقالي في العاصمة عدن، إذ شهد اجتماع أمانته العامة المنعقد في التاسع عشر من أغسطس الماضي تعاطياً جاداً مع الملف الخارجي، حيث تم إدراجه ضمن القضايا الرئيسية المبحوثة إلى جانب مستجدات الحراك الشعبي في المحافظات.
ويؤشر هذا الربط بين المسارين إلى أن النشاط الدبلوماسي لم يعد مجرد تغطية إعلامية مكملة، بل أضحى جزءاً أساسياً من الاستراتيجية السياسية للتعامل مع المرحلة المقبلة.
ولم تعد الحسابات السياسية للجنوب تنحصر في التدافع الميداني داخل محافظات عدن وحضرموت وشبوة والمهرة فحسب، بل امتدت لتخوض مواجهة دبلوماسية متوازية في مراكز القرار الدولي والعواصم الكبرى.
وترتكز هذه المواجهة على إثبات القدرة على تقديم الملف الجنوبي كإطار سياسي مستقل، وانتزاع تمثيل مباشر يحمل أوراق قوة عملية على الأرض وفي أروقة الدبلوماسية خلال أي ترتيبات قادمة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارات موسكو والتواصل في واشنطن وجنيف أهمية بالغة، كون الرسائل الموجهة إلى القوى الدولية تشكل ثقلاً رئيساً لا يقل أهمية عن الخطاب الموجه للشارع المحلي.
ويواجه الملف الجنوبي مرحلة اختبار حقيقية عقب طرح الإعلان الدستوري الذي حدد فترة انتقالية مدتها عامان تنتهي بإجراء استفتاء عام لتقرير المصير.
وينتقل التركيز في الوقت الراهن من مجرد إطلاق المواقف السياسية إلى مدى إمكانية تحويل هذا الطرح إلى مسار عملي يحظى بالاعتراف الإقليمي والدولي ويفرض نفسه في أي مفاوضات قادمة.
فالطرف الذي يتمكن من تثبيت موقفه أمام القوى الدولية سيحتفظ بفرص أكبر في صياغة مستقبل التفاوض، بينما المخاطرة بالدخول في تسويات دون غطاء دولي متماسك قد تؤدي إلى فرض ترتيبات خارجية لا تلبي التطلعات.
ويتحرك المشهد حالياً وفق مسارين متوازيين؛ أحدهما داخلي يعتمد على التعبئة الجماهيرية والتصعيد السياسي والتحضير لفعاليات واسعة، والآخر خارجي يستهدف انتزاع الاعتراف وتثبيت الحضور في مراكز القرار العالمي.
وتتجاوز المرحلة الراهنة حدود البيانات الصحفية لتسلط الضوء على صراع الإرادات حول من يملك التفويض الفعلي لتمثيل الجنوب عند فتح ملف التسوية الشاملة.
كما أن التوقيت الزمني للتحركات الأخيرة، ولا سيما زيارة موسكو، يمنح الحدث بعداً استراتيجياً يتطلب متابعة نتائج اللقاءات المرتقبة، والتي قد تشكل مؤشراً على شكل الترتيبات القادمة في المنطقة.



