تشهد المحافظات الجنوبية أزمة متواصلة في إمدادات الغاز المنزلي، حيث يعبر مواطنون عن صعوبة الحصول على أسطوانات الغاز اللازمة للاستخدامات اليومية والمطاعم ووسائل النقل، في ظل استمرار البحث عنها لأسابيع دون جدوى رغم تقييد الكميات في كشوفات التوزيع الرسمية.

وتشير المعطيات إلى أن الأزمة الحالية تجاوزت نطاق النقص المؤقت أو الانقطاع المحصور في منطقة جغرافية معينة، لتطرح تساؤلات واسعة حول المسار الإداري والتنفيذي الذي تتخذه شحنات الغاز منذ خروجها من مواقع الإنتاج وحتى وصولها إلى المستهلك النهائي.

وترتبط تحولات سوق الغاز بتغيرات في أنماط الطلب والإمدادات في مختلف المناطق والمنافذ، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على إنتاج محافظة مأرب لتغطية احتياجات الأسواق المختلفة.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنظر إلى أن مأرب تمثل أحد المصادر الرئيسية لتزويد السوق الجنوبية بالغاز، مما يجعل أي تغيير في مسارات التوزيع مؤثراً بشكل مباشر على الاستقرار التمويني.

وتتضمن دورة توزيع الغاز سلسلة من الإجراءات التنفيذية تشمل نقل الشحنات عبر القاطرات، وإصدار التصاريح، وتحديد المحطات المستقبلة وفق جدول توزيع محدد.

إلا أن رصد حركة القاطرات في كشوفات التوزيع لا يشكل دليلاً كافياً على وصول المادة إلى الأسر، مما يضع آليات المتابعة والمطابقة بين الكميات المنتجة والمرحلة والمباعة تحت التدقيق.

وفي هذا السياق، واجهت الإدارة التنفيذية للشركة اليمنية للغاز برئاسة محسن بن وهيط انتقادات من داخل أجهزة إدارة ومتابعة الغاز.

حيث وجهت غرفة العمليات المشتركة للغاز في شهر أغسطس انتقادات مباشرة للشركة، مطالبة بالتحقيق في ملفات مرتبطة بآليات التوزيع ومتابعة حركة النقل، مع الإشارة إلى منح تصاريح لمحطات كبار المستهلكين على حساب الكميات المخصصة للاستهلاك المنزلي.

وتعود أهمية هذه الانتقادات إلى الطبيعة الرقابية لغرفة العمليات المشتركة المكلفة بمتابعة حركة القاطرات وتأمين وصولها إلى الوجهات المحددة.

وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول كفاءة إدارة هذا المورد الأساسي في ظل انخفاض المعروض في منافذ البيع الرسمية.

كما تتحدث تقارير ومصادر محلية عن تسرب جزء من الكميات المخصصة للمحافظات الجنوبية ونقلها إلى أسواق أخرى للاستفادة من الفارق السعري بين السعر الرسمي والأسعار في الأسواق غير الرسمية، وهو ما يرفع الحافز الاقتصادي لإعادة توجيه الكميات بعيداً عن الوجهات المقررة لها.

وكانت الشركة اليمنية للغاز قد أوضحت في وقت سابق أن أعمال الصيانة في معامل الإنتاج كانت سبباً في تراجع الإمدادات، مشيرة إلى بدء الأعمال في 26 يونيو وإعلان انتهائها في 16 أغسطس.

غير أنه أُعلن في 18 أغسطس عن توقف معمل (CPU-2) في منطقة صافر إثر خلل فني، ما أدى إلى انخفاض إضافي في الإنتاج.

من جانب آخر، تشير الإفادات الصادرة عن غرفة العمليات المشتركة إلى أن الاختناقات التموينية مستمرة منذ نحو ثلاثة أعوام، ما يشير إلى أن الأعطال الفنية وأعمال الصيانة لا تقدم تفسيراً كاملاً للأزمة الممتدة، وتضع التركيز على التحديات البنيوية والإدارية التي ترافق عمليات التوزيع.

وتسلط الأزمة الضوء أيضاً على وضعية البنية التحتية النفطية في الجنوب، وفي مقدمتها مصافي عدن، حيث يستمر الاعتماد على مصادر إمداد خارجية في ظل عدم استكمال تشغيل وتأهيل البدائل المحلية التي من شأنها تعزيز القدرة التشغيلية وتقليل التأثر بالاضطرابات الخارجية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتقاطع فيه أزمة الغاز مع صعوبات خدمية أخرى يواجهها المواطنون في مجالات الكهرباء والخدمات الأساسية، مما يتطلب تفعيلاً لآليات الشفافية والرقابة على طول سلسلة التوريد من مواقع الإنتاج وحتى منافذ البيع للمستهلك.