يتدفق إيقاع الحياة هادئاً وقاسياً في آن واحد على امتداد نحو 300 كيلومتر من الشريط الساحلي الذي يبدأ من منطقة "رأس العارة" ومضيق باب المندب جنوباً، مروراً بمديريات "ذو باب" والمخا والوزاعية، ووصولاً إلى الخوخة وحيس والدريهمي على مشارف مدينة الحديدة شمالاً، بعيداً عن صخب المراكز الحضرية وحداثتها.
وفي هذه المساحات الساحلية الممتدة، التي تضم أكثر من 500 ألف نسمة يتوزعون على عشرات القرى والبلدات، يعتمد السكان على إمكانيات شحيحة، ويكابدون يومياتهم كعمال بالأجر اليومي، أو باعة متجولين، أو مزارعين في بساتين النخيل والمساحات الزراعية الصغيرة.
ويرتبط هذا الشريط الجغرافي برباط معيشي واقتصادي متين، إذ إن المعاناة التي تلاحق أسر العمال والفقراء في رأس العارة و"ذو باب" جنوباً هي ذاتها التي تثقل كاهل الأهالي في الخوخة والدريهمي شمالاً، حيث يجمع هذه المجتمعات مصير مشترك تحكمه الأزمات المعيشية وارتفاع الأسعار، والحرارة اللاهبة في فصل الصيف، وتدهور الخدمات الأساسية.
الخوخة..
كفاح يومي من أجل القوت وعلى امتداد الطريق الساحلي شمال مدينة المخا ونحو محافظة الحديدة، وتبعد بنحو 30 كيلومتراً، تقع قرية "يختل" التابعة لمديرية المخا، والتي تشكل نقطة التماس الأولى مع مديرية الخوخة جنوبي الحديدة.
في هذه المنطقة والقرى المجاورة لها كـ "الرويس" و"الزهاري"، يعيش زهاء 15 ألف مواطن حياة ريفية ساحلية، بين الزراعة التقليدية للنخيل والخضار، والعمل في خدمة عابري الطريق ونقاط البيع البسيطة لقاء أجور يومية زهيدة.
وبالانتقال شمالاً لنحو 50 كيلومتراً نحو مدينة الخوخة، تتضاعف صور المكابدة اليومية لـ 100 ألف نسمة من السكان الأصليين والمشردين قسراً، حيث يواجه الجميع ظروفاً ضاغطة، معتمدين كلياً على ما يتقاضونه من أعمال يومية لتأمين قوت ليلتهم.
وفي قلب المدينة، أمام أحد المحال التجارية المتواضعة، تظهر مشاهد العسر المعيشي جلية؛ حيث تتجمع ثلاث نساء أنهكهن التعب، تحمل كل منهن كيساً صغيراً يحتوى على قطعتين من الأسماك وحبة بطاطس وقليل من الزيت.
وتوضح المواطنة عائشة غالب طبيعة هذا الوضع بقولها إن هذا الكيس الصغير يمثل وجبة الغداء الوحيدة، مؤكدة أن مبلغ ألفي ريال لم يعد يغطي تكاليف وجبة مكتملة، ما يضطر النساء لتشارك المكونات والزيت لضمان عودة كل منهن بوجبة طعام بسيطة لأسرتها.
وتشتد قسوة الواقع مع ارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز صيفاً 42 درجة مئوية مع نسبة رطوبة تتعدى 80% في القرى الممتدة من "قطابا" و"المتينة" وصولاً إلى "حيس" و"الدريهمي"، مما يضاعف العبء على العمال وحمالي البضائع وكبار السن.
ورغم تواجد شبكات الكهرباء في بعض المراكز الحضرية، إلا أنها تظل غائبة عن أكثر من 70% من السكان الذين يقطنون "عششاً" مبنية من القش وقصب الذرة، لعجزهم عن تحمل تكاليف الطاقة أو شراء أجهزة التكييف، فيكتفون بمواجهة الحر الشديد بوسائل بدائية.
وفي السياق ذاته، يشير المواطن وليد سليمان، وهو من أبناء الخوخة، إلى أنه يعتمد على الأعمال الحرة وما يجود به اليوم، متحدثاً عن حصوله أحياناً على 3000 ريال من أعمال الحمالة الشاقة، بينما يمضي أياماً أخرى جابساً في الشارع دون العثور على أي عمل.
المخا..
حركة تجارية وآثار وتحديات وبالعودة جنوباً إلى مدينة المخا، التي يقطنها أكثر من 65 ألف نسمة، يبدو المشهد أكثر نشاطاً مقارنة بالمناطق المجاورة، حيث تحافظ الأسواق الشعبية والحركة التجارية على حيويتها رغم التطورات العسكرية والأحداث التي شهدتها المنطقة مؤخراً.
ومع ارتفاع درجات الحرارة ليلاً، يلجأ العشرات من السكان والنازحين إلى النوم على الأرصفة وفي الساحات العامة طلباً للهواء العليل، مفترشين قطع الكرتون والأغطية البسيطة.
ويذكر ماجد عبدالله، وهو أحد سكان المخا، أنه يفضل النوم في الشارع للهرب من شدة الحرارة داخل المنازل، مشيراً إلى أن المدينة شهدت تحسناً في بنيتها التحتية وتعبيد شوارعها مقارنة بالسابق حين كانت منطقة طينية تتصاعد منها الأتربة.
من جانبه، يسرد بشار الأشعري، العامل في تجارة الملابس، تحولات الحركة التجارية، مشيراً إلى أنه كان يتجول على قدميه منذ عام 2007 بائعاً للملابس بين القرى الممتدة من "ذو باب" إلى الخوخة لعدة أيام، بينما سهلت الطرقات الحديثة حركة التنقل لاحقاً.
إلا أنه يستدرك بالتأكيد على أن التوترات الأخيرة أدت إلى تراجع حركة الشراء والزبائن مقارنة بالفترات السابقة.
وعلى صعيد التراث، تظهر معالم الدمار الجزئي على القلاع والمنازل التاريخية في المخا القديمة، والتي تعرضت قديماً لما يعرف بـ "سيل الثلوث" الذي جرف أجزاء من أحياء المدينة، قبل أن تتسبب الحروب المتعاقبة في الإضرار بما تبقى من معالمها التاريخية التي ارتبطت بتصدير القهوة عالمياً.
وتضم المدينة معالم بارزة وثقها الرحالة الألماني كارستن نيبور خلال زيارته عامي (1762 – 1763)، بدءاً من السوق المركزي القديم، وجامع الشاذلي، وقبة العلوي، وصولاً إلى بقايا أسوارها وأبوابها الخمسة الشهيرة (العمودي، الشاذلي، فجير، صندل، الساحل).
ويشير الشاب محمد علي علاوة إلى أن أهالي الشريط الساحلي يواجهون تحديات معيشية كبيرة وضغطاً خدمياً وغلاءً متزايداً، إلا أن التكافل الاجتماعي والتراحم بين الناس يمثل السند الأساسي لهم للاستمرار في مواجهة ظروف الحياة.
ذو باب..
بساطة العيش في قلب الممر الدولي وجنوباً على بعد 80 كيلومتراً من المخا، تمتد مديرية "ذو باب" (المندب) التي يقطنها أكثر من 20 ألف مواطن وصولاً إلى التخوم الساحلية لمنطقة رأس العارة، حيث تتداخل قسوة الطبيعة الصحراوية والساحلية مع الواقع المعيشي المعقد بالقرب من أحد أهم الممرات الملاحية الدولية.
وفي "حارة المدرسة" بمركز المديرية، تنتشر المنازل البسيطة والعشش المصنوعة من القش على الطرق الترابية، وتنعدم في معظم التجمعات السكنية كـ "العيقة" و"الكربة" و"الجبيل" و"الجرجر" شبكات المياه العذبة والمرافق الصحية الحديثة، ما يدفع الأهالي لقطع مسافات طويلة لجلب مياه الشرب أو نقل المرضى.
وتؤكد المواطنة مريم علي (35 عاماً)، من إحدى قرى "ذو باب"، أن السكان يتقاسمون كيس الدقيق وشربة الماء في ظل ارتفاع الأسعار والحرارة الشديدة داخل العشش، متمسكين بالأمل في تحسن ظروفهم المعيشية.
ويتصل هذا الشريط الساحلي الممتد عبر 300 كيلومتر بروابط إنسانية واجتماعية وثيقة، حيث تتشارك المجتمعات المحلية المعاناة ذاتها ناجمة عن ضعف الخدمات التحتية وتراجع الرعاية الصحية، مثلما تتقاسم قيم التكافل التي تمنحها القدرة على الصمود ومواجهة الواقع المعيشي الصعب.



