لا ينتهي خطر الحرب في اليمن بتوقف المواجهات العسكرية أو ابتعاد خطوط القتال عن المدن والقرى؛ إذ تظل مخلفات الحرب في الأراضي وعلى جوانب الطرق وبين المزارع والمنازل تشكل تهديداً مستمراً لحياة المدنيين.

وفي هذا السياق، تناول تقرير صادر عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية بعنوان "القاتل المخفي: تقرير عن انتشار الألغام ومخلفات الحرب في اليمن" واقع انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة، والخسائر البشرية والمادية الناجمة عنها، إلى جانب الجهود المبذولة لنزعها، مستنداً إلى بيانات وتقارير ومتابعة ميدانية، ومقابلة موسعة مع أسامة القصيبي، مدير عام مشروع "مسام" لنزع الألغام في اليمن.

ونُسب التقرير إلى المركز وفق ما ورد في نسخته المنشورة.

وينطلق التقرير من اعتبار الألغام والذخائر غير المنفجرة من أبرز المخلفات الناجمة عن الصراع المستمر في اليمن، نظراً لانتشارها في الأحياء السكنية والأراضي الزراعية والطرق العامة ومناطق التماس.

ومع تواصل اكتشاف حقول جديدة من الألغام والمخلفات الحربية في عدة محافظات، أصبحت عمليات الإزالة والتطهير تحدياً طويل الأمد يتطلب جهوداً متواصلة وإمكانيات واسعة.

وأشار التقرير إلى أن الخطر لا يقتصر على الألغام المضادة للأفراد أو الآليات، بل يمتد إلى الذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة محلية الصنع التي استُخدمت فيها أساليب تمويه تجعل اكتشافها والتعامل معها أكثر صعوبة.

ويعني ذلك أن المشكلة لا تتعلق فقط باتساع المساحات الملوثة، بل بتنوع المواد المتفجرة وطرق إخفائها، مما يضاعف تعقيد مهمة فرق النزع والتمشيط ويرفع حجم المخاطر التي تواجه السكان.

وأوضح التقرير أن هذه الأوضاع خلفت آثاراً تجاوزت أعداد القتلى والمصابين، حيث تسببت في إعاقة عودة النازحين إلى مناطقهم، وحدت من استئناف الأنشطة الزراعية والاقتصادية والخدمية في المناطق التي شهدت توقفاً للعمليات العسكرية.

ووفق تقديرات جهات دولية معنية نقلها التقرير، يصنف اليمن ضمن أكثر الدول تضرراً من الألغام ومخلفات الحرب نتيجة اتساع رقعة التلوث واستمرار سقوط الضحايا.

وتكشف عمليات التطهير عن تركز المشكلة في عدد كبير من المحافظات، من بينها مأرب وتعز والحديدة وحجة ولحج وشبوة وحضرموت وعدن.

ويربط التقرير بين ارتفاع كثافة التلوث والمناطق التي شهدت مواجهات عسكرية واسعة أو طويلة الأمد، مثل الحديدة وتعز ومأرب والجوف وشبوة ولحج والضالع وصعدة، حيث ارتبط انتشار المخلفات بطبيعة العمليات وخطوط التماس السابقة.

كما تختلف طبيعة عمليات الإزالة من محافظة إلى أخرى تبعاً لنوع المخلفات المكتشفة ومستوى الخطر الذي تشكله على السكان والبنية التحتية والممرات الحيوية.

وشمل التلوث الأراضي الزراعية والوديان والطرق الريفية، مما جعل المزارعين والرعاة والأطفال أكثر الفئات عرضة لمخاطر الانفجارات خلال ممارسة أنشطتهم اليومية.

ويصنف التقرير مخلفات الحرب إلى أربعة أصناف رئيسية: الألغام المضادة للأفراد، والألغام المضادة للدبابات، والذخائر غير المنفجرة، والعبوات الناسفة.

وتفيد بيانات مشروع "مسام"، بحسب الدراسة، بأن الذخائر غير المنفجرة تشكل في فترات كثيرة النسبة الأكبر من المواد المكتشفة والمزالة، مما يؤكد أن التلوث يتجاوز النمط التقليدي المرتبط بالألغام وحدها.

وأظهرت أعمال المسح الميداني تنوعاً في طرق الزرع والتمويه، حيث عُثر على متفجرات داخل المنازل وفي الأراضي الزراعية وعلى جوانب الطرق وفي مجاري السيول، مع اعتماد أساليب تفجير متعددة.

ويزيد هذا التنوع من صعوبة الاكتشاف والإزالة ويرفع من حجم التهديدات الميدانية التي تواجه فرق العمل والسكان المحليين.

وفيما يخص الخسائر البشرية، أكد التقرير أن الألغام والذخائر غير المنفجرة تواصل حصد الأرواح وإيقاع الإصابات بين المدنيين حتى في المناطق التي صمتت فيها المواجهات، نظراً لوجودها في الطرق والمنازل والأراضي الزراعية.

ونقلاً عن بيانات مرصد الألغام الأرضية، أورد التقرير تسجيل ما لا يقل عن 11,807 ضحايا للألغام والذخائر غير المنفجرة في اليمن عبر فترات زمنية مختلفة، بينهم 4,262 قتيلاً و7,491 مصاباً.

وأشار المرصد إلى أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى للموثق رسمياً في ظل صعوبات الوصول واختلاف آليات الرصد.

ولفت التقرير إلى توثيق منظمات حقوقية استمرار ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين خلال سنوات الصراع، حيث شهدت الفترة من 2017 إلى 2026 مئات الوفيات وآلاف الإصابات، وكان من بين الضحايا أعداد من النساء والأطفال، فضلاً عن حالات الإعاقة الدائمة وبتر الأطراف.

وإلى جانب الأضرار البشرية، تسببت الألغام والمخلفات في تعطيل استغلال الأراضي الزراعية، وتقييد حركة المواطنين، وتأخير عودة النازحين، وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار، إذ يظل تشغيل الطرق والمنشآت مرتبطاً بتطهيرها أولاً، مما يجعل التطهير شرطاً أساسياً لاستعادة النشاط الطبيعي في المناطق المتضررة.

وعلى الصعيد الميداني، أشار التقرير إلى متابعة ميدانية أجراها مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، تضمنت زيارة قام بها رئيس المركز عاتق جار الله في مارس 2025 إلى مقر مشروع "مسام" بمحافظة مأرب للاطلاع على أنشطة التطهير والآليات المتبعة.

وخلال الزيارة، قدم مسؤولو المشروع عرضاً تفصيلياً معززاً بالصور حول آليات العمل والتحديات والمخاطر الميدانية، مشيرين إلى تقديم المشروع 32 قتيلاً من طواقمه، بينهم خمسة خبراء أجانب، أثناء أداء مهامهم، إضافة إلى استعراض نماذج للضحايا المدنيين وأشكال العبوات المزروعة.

وأوضح مسؤولو "مسام" أن المشروع ينشط منذ عام 2018 عبر 33 فريقاً ميدانياً في عدة محافظات، حيث تمكنت الفرق -حسب أرقام تلك الفترة- من تطهير نحو 58 مليون متر مربع ونزع مئات الآلاف من الألغام والذخائر، إلى جانب تدريب كوادر محلية وتنفيذ برامج توعية.

وأكد رئيس المركز أهمية استمرار هذه الأنشطة في ظل غياب الخرائط الدقيقة للزرع واتساع نطاق التلوث.

وتشير أحدث البيانات الواردة في التقرير إلى تطهير أكثر من 83 مليون متر مربع من الأراضي وإعادتها للاستخدام الآمن، وتفكيك أكثر من 575 ألف لغم وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة، تشمل أكثر من 407 آلاف ذخيرة غير منفجرة، ونحو 152 ألف لغم مضاد للدبابات، وأكثر من 7.5 آلاف لغم مضاد للأفراد، وما يزيد على 8.5 آلاف عبوة ناسفة.

ورغم هذه حصيلة الأعمال المنجزة، لفت التقرير إلى أن استمرار اكتشاف حقول جديدة يفرض مواصلة عمليات التطهير والتوعية وبناء القدرات الوطنية لتأمين عودة السكان وتسهيل التعافي.

وتطرق التقرير إلى مقابلة أجراها المركز مع أسامة القصيبي، مدير عام مشروع "مسام"، تناولت الجوانب الفنية والخبرات المتراكمة لفرق العمل منذ منتصف عام 2018، والتي أسهمت في فهم سلوكيات الزرع وتكثيف عمليات الإزالة.

وذكر القصيبي أنه حتى نهاية يوليو 2026، تم تطهير أكثر من 83.7 مليون متر مربع والتعامل مع 578,226 متفجراً بمختلف أنواعه، مع نزع 7,101 عنصر متفجر خلال شهر يوليو 2026 وحده.

وأوضح القصيبي أن تحديد المدة الزمنية لتأمين المناطق يخضع لظروف التضاريس وكثافة التلوث، مع إعطاء الأولوية للمناطق السكنية والطرق الحيوية.

وبين أن الفرق طهرت 1.6 مليون متر مربع خلال يوليو 2026، ويجري توزيع الكوادر بحسب الأهمية الميدانية لإعادة الأنشطة وفتح الطرق.

وأكد مدير المشروع أهمية قواعد البيانات في التنبؤ بمواقع الخطر وتحديد أنماط الانتشار، مشيراً إلى أن البيانات المسجلة شملت 409,726 ذخيرة غير منفجرة، و152,285 لغماً مضاداً للدبابات، و7,604 ألغام مضادة للأفراد، و8,611 عبوة ناسفة، مما يساعد على رسم سيناريوهات رفع الكفاءة الميدانية.

وتطرقت المقابلة إلى تسجيل حالات شهدت إعادة تلغيم بعض المناطق عقب الانسحاب منها بعد أن كانت قد طُهرت سابقاً، مما يتطلب إعادة مسحها والعمل فيها مجدداً، وهو ما يفرض مرونة في خطط الاستجابة الميدانية.

وأشار القصيبي إلى أن أنماط الزرع تتسم أحياناً بالعشوائية والتمويه المتقن لجعل العبوات تبدو كأجسام طبيعية، مع تركيز التلغيم في المواقع الحيوية مثل الممرات الرئيسية والمزارع ومصادر المياه، مما يرفع نسبة التهديد المعيشي.

كما تختلف أساليب الزرع بحسب الطبيعة الجغرافية للمناطق الجبلية أو الساحلية أو الزراعية.

وفي ظل غياب الخرائط، يعتمد المشروع على منهجية إنشاء الخرائط من الميدان عبر عمليات المسح والاستجابة للبلاغات وتوثيق كل عنصر يتم نزعه لبناء قاعدة بيانات جغرافية متكاملة.

وأكد القصيبي أن السلامة تتطلب تطهيراً كاملاً للمناطق لتجنب الحوادث، مستشهداً بحادثة وقعت في مديرية حيران بمحافظة حجة أسفرت عن مقتل شخص وإصابة آخر أثناء عودتهما من مزرعتهما.

وحدد مدير المشروع مسارين للحد من الخسائر: الأول يكمن في استمرار عمليات التطهير التي بلغت 83,731,831 متراً مربعاً حتى نهاية يوليو 2026، والثاني يتمثل في تكثيف التوعية المجتمعية بالتحذير من الأجسام المشبوهة، داعياً السكان إلى تجنب المناطق غير المفحوصة والتنسيق بين الجهات المعنية لتسهيل عمل الفرق.

واختتم تقرير مركز المخا بالإشارة إلى أن قضية الألغام ومخلفات الحرب في اليمن تظل تحدياً إنسانياً وتنموياً تمتد آثاره لما بعد الصراع، مما يتطلب استمرار الشراكات الميدانية والبحثية ودعم جهود التطهير لتهيئة البيئة المناسبة لعودة السكان وإعادة الإعمار.