هذه ليست مفارقة عابرة في ملف جنائي، بل هي خلاصة ما أصبحت عليه منظومة الأمن في عدن تحت سلطة الأمر الواقع المدعومة سعودياً. جهاز يُفترض أن يحمي المواطن، تحوّل في إحدى أبرز تجلياته إلى شبكة من اثني عشر شخصاً يتقدمهم ضابط يحمل صفة رسمية، يستخدم نفوذه الأمني لاستدراج يتيمة لا حول لها ولا سند، ثم يُترك طليقاً بينما تُزَجّ ضحيته في السجن. مازن قاسم محمد حازب لم يكن فرداً هامشياً في جهاز أمني هامشي. هو أركان الحزام الأمني وقائد القطاع الأمني في منطقة المنصورة، إحدى أكثر مناطق عدن حساسية أمنياً، وهي الصفة التي استغلها بالضبط لاستدراج فتاة جاءت تطلب الحماية من قسوة الحياة بعد وفاة والديها، فوجدت نفسها -بتعبير دقيق لا مجازي- بين براثن من كان يُفترض أن يحميها. والأخطر من الجريمة نفسها أن من يحمي حازب اليوم، بحسب المعلومات المتداولة، هو القيادي جلال الربيعي، في إشارة إلى أن الحماية ليست فردية بل شبكة متكاملة من النفوذ تتقاطع مصالحها فوق جثة كل ضحية جديدة. وما يكشفه هذا الملف لا يتوقف عند جريمة فردية، بل يفتح الباب على السؤال الأعمق: من يحرس الحارس في عدن؟ الحزام الأمني، الذي أُعيد تسميته مؤخراً إلى 'الأمن الوطني' في عملية تجميل لافتات أكثر منها إصلاحاً حقيقياً للبنية، ظل لسنوات الجهة التي تتقاسم السيطرة الأمنية الفعلية على العاصمة المؤقتة بعيداً عن أي مساءلة شعبية أو قضائية رادعة. تغيير الاسم لم يغيّر شيئاً في آلية الحماية الداخلية التي أبقت حازب يمارس صلاحياته الكاملة كقائد قطاع طوال ثمانية أشهر بعد تقديم الشكوى، في وقت كانت الضحية تُحتجز كمشتبه بها لا كمتضررة. وحين تتصاعد الفضيحة إعلامياً فقط، يخرج بيان رسمي مفاجئ بتوقيف الضابط 'فوراً' وإحالته للتحقيق، وكأن المنظومة لا تتحرك إلا حين تُحرَج علناً، لا حين يصلها بلاغ رسمي أو تقرير طبي يثبت اغتصاباً متكرراً. هذا النمط ليس استثناءً، بل هو القاعدة التي تحكم عمل الأجهزة الأمنية في عدن منذ سنوات لا عقاب إلا تحت ضغط الرأي العام، ولا تحقيق إلا حين يتحول الملف إلى فضيحة يتعذر التكتم عليها. وفي الخلفية البعيدة لهذا المشهد، يقف مجلس القيادة الرئاسي بمكوناته المختلفة عاجزاً عن لمس واقع الشارع في عدن، بينما يظل القرار الفعلي في المدينة محكوماً بموازين القوى المحلية والإقليمية التي ترسمها الرياض من بعيد عبر أدواتها على الأرض. مجلس بلا سلطة حقيقية على الأجهزة الأمنية المتشظية، وحكومة معترف بها تحكم من فنادق الرياض ومكاتب أبعد ما تكون عن قطاع المنصورة حيث جرت الجريمة، وكلتاهما عاجزتان أو غير راغبتين في فرض إصلاح أمني حقيقي يهدد شبكات نفوذ متجذرة منذ سنوات الحرب. وما خفي في هذا الملف أعظم مما ظهر. فالفتاة التي تجرأت على الشكوى لم تكافأ بالعدالة بل بالسجن، في رسالة ضمنية موجهة لكل ضحية محتملة أخرى بأن الصمت أأمن من المطالبة بالحق. وطالما بقيت المعادلة كذلك -حماية الجاني ومعاقبة الضحية- فإن إعلان توقيف قائد أمني واحد بعد فضيحة إعلامية لن يغيّر شيئاً في بنية تحمي نفسها بنفسها، وتترك المواطن العادي، وفي القلب منه كل يتيم وكل امرأة بلا سند، فريسة سهلة لمن يُفترض أن يكون درعها الأول.