في سابقة خطيرة لم تشهدها المنظومة الطبية في عدن من قبل، تحولت "أقسام الطوارئ" التي يُفترض عملها على مدار الساعة إلى مرافق تخضع لمزاجية "الإجازات"، حيث وثقت الناشطة فردوس العلمي مأساة حقيقية لطفل يصارع الملاريا والضنك فجراً، لتجد أن مستوصفات ذائعة الصيت مثل "البرج" و"الشفاء" قد أوصدت أبوابها تماماً، هذا المشهد السريالي يطرح علامات استفهام كبرى حول أخلاقيات المهنة وضوابط التراخيص الممنوحة لهذه المنشآت الخاصة، التي تخلت عن واجبها الإنساني في وقت يحتاج فيه المواطن لكل ثانية لإنقاذ حياته من فتك الأوبئة المدارية المنتشرة حالياً. ​وعلى الضفة الأخرى من المأساة، تحول مستوصف "دار العافية" إلى ما يشبه "ساحة حرب" طبية، كونه المنشأة الوحيدة التي صمدت لاستقبال تدفق الحالات الهائل، ووصف شهود عيان الوضع بداخله بالانفجار البشري؛ حيث امتلأت الأسرة بمرضى من مختلف الأعمار، من الرضع حتى كبار السن، في حين لم يتواجد لتغطية هذا الطوفان البشري سوى طبيب واحد وممرضة وحيدة، مما وضع الطاقم الطبي المحدود تحت ضغط نفسي وعملي غير مسبوق، وأظهر حجم العجز والتخبط الإداري الذي يعاني منه القطاع الصحي في مديرية صيرة. ​إن هذا التسيب الطبي الجماعي يستوجب تحركاً عاجلاً وصارماً من وزير الصحة ومحافظ عدن، لفتح تحقيق شفاف يحاسب كل من سمح بإغلاق أقسام الطوارئ في هذا التوقيت الحرج، فالحق في الرعاية الصحية ليس "سلعة" تخضع للعطلات الرسمية، وترك مديرية بحجم كريتر تحت رحمة طبيب واحد في ساعات الفجر هو بمثابة "حكم بالإعدام" على الحالات الحرجة، ويجب على الجهات الرقابية فرض سيادة القانون على المستوصفات الخاصة وضمان عملها تحت إشراف مباشر، فالحياة لا تنتظر انتهاء الإجازات، والأوبئة لا تعترف بالعطلات.