تسود الأوساط السياسية والشعبية في المحافظات الجنوبية حالة من الاستياء والتحذير في أعقاب السلوك الإعلامي المُفاجئ الذي انتهجته المنصات التابعة لحزب الإصلاح والدوائر التابعة للتحالف، إثر القصف الصاروخي الذي طال ثكنات تشكيلات "درع الوطن والقوات الحدودية" في صحراء العبر بحضرموت. ورصد قسم التحليلات في "الجنوب فويس" تحولاً شاملاً في خطاب تلك الوسائل، التي نسيت أدبياتها السابقة التي احتفت بانتشار هذه التشكيلات في حضرموت كرمز لإعادة هيمنة السلطة المركزية، لتبدأ سريعاً بلعب ورقة "التجييش العاطفي" ودغدغة مشاعر الشارع الجنوبي من خلال التذكير المُمنهج بالهوية الجغرافية لغالبية القتلى والمصابين.
تحول الرواية: دغدغة العواطف لاستعادة التوازن واستدراج المجندين** فحين كانت تلك القوات تُقدم كمظهر من مظاهر إعادة فرض السيطرة على المحافظات الشرقية باعتباره انتصاراً على المجلس الانتقالي الجنوبي، تم تغييب أي حديث عن الهوية الجغرافية لمنتسبيها. ولكن مع سقوط عشرات القتلى والجرحى وتدمير البنية التحتية للمعسكرات، سارعت المنصات ذاتها إلى تصدير "المظلومية الجنوبية" ومحاولة دغدغة مشاعر الشارع الجنوبي واستثارة حميته المناطقية. ويؤكد خبراء ومحللون أن هذا الاستدعاء العاطفي المتأخر لا يعكس حرصاً على أرواح الضباط والجنود، بقدر ما يمثل محاولة مكشوفة لاستغلال حالة السخط وتصوير الحدث كاستهداف مباشر للجنوبيين، تحويلاً للواقعة إلى "حافز عاطفي" يُعيد دفع آلاف الشباب والفقراء نحو خطوط التجنيد والتطوع للقتال، لتعويض النزيف البشري في ثكنات صحراء العبر والرويك التي تفتقر لأدنى مقومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر.
استراتيجية "الوقود البشري" وصناعة الفقر** وفي السياق ذاته، تشير تقارير محلية إلى أن اندفاع الشباب والرجال من أبناء الجنوب للالتحاق بتشكيلات عسكرية مثل "درع الوطن" لا ينطلق من قناعات أيديولوجية أو أهداف استراتيجية مشتركة مع الأطراف الداعمة، بل هو نتاج مباشر لسياسات الانكشاف الاقتصادي، وانهيار العملة، وانعدام فرص العمل في المحافظات الجنوبية. وتوضح التحليلات أن القوى الإقليمية والحزبية استغلت حالة "صناعة الفقر" لتوفير غطاء بشري منخفض التكلفة السياسية؛ حيث يُوضع المجندون الجنوبيون في الواجهة كدروع بشرية وخطوط دفاعية أولى، بينما تنعم القيادات السياسية والعسكرية النافذة—لا سيما المنتسبة لحزب الإصلاح ومؤسسات السلطة—بالأمان برفقة أسرها في عواصم ومدن عالمية وإقليمية.
استنزاف الطاقات ومناهضة مشروع استعادة الدولة الجنوبية** وتذهب قراءات استراتيجية أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن هذا التوظيف العاطفي المزدوج يسعى لتحقيق غايات أعمق تتضارب كلياً مع التطلعات السياسية لأبناء الجنوب؛ فالرياض وأطراف السلطة الموالية لها تلتزم بتوجهات سياسية وقانونية ترعى مرجعيات الوحدة اليمنية والشرعية الموحدة، وتقف في جوهر استراتيجيتها ضد مشروع "استعادة دولة الجنوب". ويضيف المراقبون أن الزج بالشباب الجنوبي في هذه المواجهات يحقق أهدافاً مزدوجة للجهات الداعمة: أولاً: تصفيّة الطاقة البشرية الحية في الجنوب، لمنع تشكل أي مقومات لبناء جيش جنوبي مستقل قادر على حماية أرضه وفرض مشروعه السياسي. ثانياً: إبقاء خطوط النزاع اشتعالاً لتحقيق تواجد جيوسياسي دائم وسيطرة طويلة المدى على المنافذ والموانئ والموارد الثمينة. وأمام هذه الممارسات الإعلامية والسياسية، تصاعدت الأصوات والشخصيات الاجتماعية والنقابية في الجنوب الداعية إلى ضرورة رفع مستوى الوعي المجتمعي، والتحرك الحاسم لمنع انخداع الشباب بالخطابات الاستعطافية التي تستهدف مشاعرهم ومصائرهم، مؤكدة أن البقاء في جبهات الشمال يُراد منها أن تكون حطب حرب لأجندات سعودية يمثل هتكاً لدماء أبناء الجنوب، وزجاً بهم في صراع لا يخدم تطلعاتهم ولا قضيتهم العادلة في استعادة دولتهم.



