تحل الذكرى الثالثة والستون لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، لتشكل محطة وطنية استثنائية تتجاوز نطاق الاحتفاء الرمزي إلى آفاق القراءة الوطنية الشاملة.
تأتي هذه المناسبة الخالدة لتوجه تحية إجلال للتضحيات الجسام التي قدمها الآباء والأجداد، وتستحضر السجل النضالي الحافل لشهداء الجنوب ومناضليه الذين رووا بدمائهم الزكية صخور ردفان الشماء ومختلف ميادين الوطن.
استدعاء أسماء الثوار الأوائل، وفي مقدمتهم الشهيد راجح بن غالب لبوزة، يُعد رسالة وفاء متجددة تؤكد أن ذاكرة الجنوب حيّة لا تُنسى، وأن قيم الفداء والسيادة ستظل حجر الزاوية في بناء الحاضر والمستقبل.
تكتسب الذكرى أهمية بالغة عبر تركيزها على توثيق الأحداث والمراحل المفصلية التي شهدتها القضية الجنوبية؛ إذ يُشكل التدوين الأمين للتاريخ والسير النضالية حصناً منيعاً لحماية الهوية الوطنية من محاولات التزييف أو التهميش.
توثيق البطولات من الشرارة الأولى في ستينيات القرن الماضي وصولاً إلى ملاحم القوات المسلحة الجنوبية والمقاومة المعاصرة في دحر الإرهاب وتأمين الثغور، يرفد الأجيال الناشئة بالوعي الوطني، ويرسخ في أذهانهم أن استعادة الدولة حق مشروع استند إلى مسيرة طويلة من النضال والتضحيات غير المنقطعة.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، تتحول الذكرى الأكتوبرية إلى منصة وطنية جامعة لفتح نقاش مسؤول وشجاع حول مستقبل الجنوب وخياراته السياسية والعسكرية.
توفّر هذه المناسبة فرصة للمجلس الانتقالي الجنوبي وكافة المكونات والنخب الوطنية لتقييم المكاسب المحققة، وقراءة التحديات الاقتصادية والأمنية، ووضع استراتيجيات مرنة تتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بثبات وحنكة، وبما يضمن حماية التطلعات الشعبية.
وتؤكد الذكرى أن الجنوب يمتلك الرؤية والإرادة لإدارة مساره الوطني، حيث يُعزز النقاش السياسي المرتكز على الإرث الأكتوبري التلاحم الداخلي، لتبقى روح أكتوبر البوصلة الهادية لاستكمال خطوات التحرير وتثبيت أركان الدولة.


