تستعد المحافظات الجنوبية لإحياء الذكرى الحادية والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، وهي المحطة التاريخية البارزة التي انطلقت شرارتها الأولى من جبال ردفان عام 1963، لتؤسس لمرحلة كفاح مسلح تكللت بتحقيق الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر 1967.

وتأتي هذه المناسبة الوطنية حاملة دلالات سياسية عميقة تجسد قيم التضحية والصمود والإرادة الشعبية، وتعيد إلى الواجهة مسيرة نضالية طويلة خاضها شعب الجنوب للدفاع عن هويته الوطنية وحقه في تقرير مصيره واستعادة دولته كاملة السيادة.

ولم تكن جبال ردفان مجرد مسرح لانطلاق أحداث الثورة، بل تحولت إلى رمز تاريخي للمقاومة الجنوبية ضد الوجود الاستعماري البريطاني، بقيادة المناضل راجح بن غالب لبوزة.

ومن ردفان، امتدت المواجهات المسلحة إلى مختلف أرجاء الجنوب، متحولة إلى حركة تحرر وطني شاملة فرضت واقعاً جديداً انتهى بجلاء آخر جندي بريطاني، وهو الإرث التاريخي الذي يستلهم منها الجنوبيون اليوم في مواجهة التحديات الراهنة وتأكيد حضورهم السياسي على الساحة المحلية والدولية.

وفي ضوء التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها الجنوب خلال السنوات الأخيرة، يتجاوز استحضار ثورة أكتوبر مجرد الاحتفاء بالماضي، ليرتبط مباشرة بالنقاشات الجارية حول مستقبل القضية الجنوبية.

وفي هذا السياق، يبرز دور المجلس الانتقالي الجنوبي، برئاسة عيدروس الزبيدي، كطرف سياسي رئيسي يسعى لتمثيل تطلعات شعب الجنوب والدفاع عن حقوقه وحماية مكتسباته الوطنية، بالتوازي مع دور القوات الجنوبية في تأمين المحافظات وحفظ الاستقرار وحماية الأرض والمجتمع من أي تحركات تستهدف أمن واستقرار الجنوب.

وتؤكد الأوساط الجنوبية أن المرحلة الراهنة تتطلب استلهام قيم أكتوبر لتعزيز التماسك المجتمعي وتوحيد الجهود السياسية والإعلامية حول الأهداف الوطنية المشتركة.

كما تبرز في هذه المناسبة أهمية تحييد أبناء المحافظات الجنوبية وضرورة عودتهم لحماية وتأمين حدودهم ومحافظاتهم، بدلاً من الزج بهم كوقود في معارك وجبهات قتال خارج حدود الجنوب، وهو ما يمثل أولوية لحفظ الطاقات البشرية الجنوبية وتوجيهها نحو بناء وتأمين مؤسسات الدولة المرتقبة.

وعلى الصعيد الإعلامي والثقافي، تضطلع النخب الجنوبية بمسؤولية تسليط الضوء على الأبعاد التاريخية لثورة أكتوبر وتوثيق مراحلها لربطها بالواقع السياسي المعاصر.

وتسهم المواد الوثائقية والتقارير الصحفية والأعمال الفنية في إحياء الذاكرة الجمعية وتعريف الأجيال الجديدة بتضحيات الرعيل الأول من المناضلين، مع التأكيد على رفض شعب الجنوب لأي محاولات لفرض الوصاية أو تجاوز إرادته السياسية، والتمسك بالخيار الوطني المتمثل في بناء دولة جنوبية فيدرالية تحقق تطلعات المواطنين وتضمن لهم العيش الكريم والاستقرار الاقتصادي والخدمي.