لا يزال مشروع الجنوب يمثل تعبيرًا سياسيًّا عن إرادة شعبية واسعة وتراكم نضالي طويل، بعيدًا عن اختزاله في خلافات نخبوية ضيقة أو اعتباره ملفًّا أمنيًّا قابلاً للاحتواء عبر إعادة توزيع المواقع والنفوذ.
ويؤكد المجلس الانتقالي الجنوبي أنه الإطار السياسي الأبرز الذي يحمل هذا المشروع ويعبر عن تطلعات قطاع واسع من أبناء الجنوب.
وتكشف التجربة السياسية أن صناعة الكيانات الممولة سعوديًّا لا تعني إنشاء شرعية حقيقية، إذ تظل تلك التشكيلات محدودة التأثير لافتقارها إلى قاعدة شعبية وصلة عضوية بتضحيات المجتمع وتطلعاته.
إن تعدد المكونات السياسية ليس مشكلة بحد ذاته إذا كان إثراءً للمشهد، لكن الأزمة تبرز عندما تتحول الكيانات الجديدة إلى أدوات لتفكيك الإرادة العامة والالتفاف على موازين التأييد الشعبي.
وفي هذا السياق، يسعى التحالف بقيادة السعودية إلى توظيف الانقسامات لصناعة حواضن سياسية بديلة تمنح مشروعات الوصاية غطاءً محليًّا، ما يؤدي عملياً إلى إضعاف مركز الثقل الشعبي لقضية شعب الجنوب وتحويلها من قضية سياسية ذات مطالب واضحة إلى ملف إداري وأمني.
إن التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء المحافظات الجنوبية على امتداد سنوات النزاع يجب ألا تتحول إلى رصيد سلطوي تستهلكه النخب للوصول إلى المواقع، بل ينبغي أن تظل مرتبطة بمشروع وطني واضح يجيب عن تطلعات الشعب في تقرير مصيره ودولته.
فالرهان على تفريخ الكيانات قد ينتج وفرة في الأسماء والبيانات، لكنه عاجز عن صناعة قوة سياسية حقيقية تستمد شرعيتها من الشارع لا من شبكات الدعم الخارجي.
وفي نهاية المطاف، فإن أي ترتيبات أو تسويات سياسية تُصاغ بمعزل عن القبول المجتمعي وإرادة الجنوب ستظل عاجزة عن تحقيق الاستقرار المستدام، وسط تمسك شعبي بضرورة استقلال القرار الوطني وحماية مكتسبات النضال الجنوبي.


