تثير التوجهات السعودية الجديدة نحو تشكيل تحالف دفاعي إسلامي مع تركيا وباكستان تساؤلات عميقة حول مستقبل القضايا العربية العادلة، وتداعياتها المحتملة على قضية الجنوب.
تشهد السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية تحولاً استراتيجياً ملحوظاً، يتمثل في الابتعاد عن الأطر التقليدية للتحالفات الخليجية والعربية، والتوجه نحو بناء مظلة أمنية إسلامية أوسع.
وقد تجسد هذا التوجه في توقيع اتفاق دفاعي مشترك في أغسطس 2026 مع تركيا وباكستان، ينص على اعتبار أي اعتداء على إحدى هذه الدول اعتداءً على الجميع، مما يعكس إعادة تعريف لمصالح الرياض الأمنية تتجاوز الحدود الإقليمية المعتادة.
يأتي هذا التحول في وقت لم يتمكن فيه التحالف بقيادة السعودية من تحقيق حسم عسكري أو سياسي في اليمن، حيث استنزفت الحرب الطاقات وبقيت قضية شعب الجنوب العادلة دون تسوية نهائية.
ويطرح هذا التوجه الجديد تساؤلات حول مصير القضايا العربية الأساسية، ومدى مركزيتها ضمن هذه الترتيبات الإقليمية الأوسع التي قد تخدم مصالح أيديولوجية أو سياسية لا تتطابق بالضرورة مع جوهر القضايا الوطنية للشعوب.
وفي هذا السياق، تبرز قضية الجنوب كنموذج لقضية تاريخية وسياسية معقدة، ترفض أن تُختزل في ملف أمني أو صفقة سياسية تُبرم في الغرف المغلقة.
فالجنوب ليس مجرد ملحق جغرافي ضمن جغرافيا واحدة لليمن، بل هو كيان ذو خصوصية تاريخية وسياسية عميقة، سبق أن اعترفت السعودية نفسها بكونها قضية سياسية وجودية عادلة تستدعي حلاً سياسياً شاملاً يحفظ حقوق أهله.
يمثل المجلس الانتقالي طرفاً رئيسياً ومفوضاً شعبياً في معادلة الجنوب، إلا أنه يواجه ما يوصف بإقصاء واضح و"وصاية سعودية" تسعى لاستبعاده من أي تسوية مستدامة.
وقد تجلى ذلك في استهداف قواته في حضرموت والمهرة، ومحاولات شيطنة قيادته السياسية، بهدف تحويل قضية شعب الجنوب من مضمونها الوطني والحقوقي إلى صراع ديني أو أيديولوجي، مما يهدد بتفريغها من جوهرها الحقيقي.
إن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها لا يمكن أن تكون ورقة تفاوض رخيصة في صفقات إقليمية كبرى أو أن تُدار بمنطق المقايضات السياسية.
ويبقى المعيار الحقيقي هو إرادة شعب الجنوب، وكيفية ترجمتها إلى تسوية عادلة تضمن له حقه المقدس في بناء مستقبله السياسي المستقل.



