وفيما يُحمِّل الشارع الجنوبي والمحللون التقدميون قيادة المجلس الرئاسي والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية المسؤولية المباشرة عن هذا الانهيار، تشير المعطيات إلى أن إغراق الجنوب في شبكة متصاعدة من الأزمات يُدار بكفاءة عالية كأداة ضغط سياسي وعسكري. ​منظومة الحصار الشامل:خدمات معطلة ورواتب مفقودة** ​لم تعد معركة المواطن الجنوبي مقتصرة على أزمة نقص الغاز المنزلي وغاز المركَبات التي شلت حركة النقل وأغلقت المحال التجارية؛ بل امتدت لتشمل كافة مفاصل الحياة الأساسية في نموذج متكامل من العقاب الجماعي. ​انقطاع الرواتب:** استمرار المماطلة ووقف صرف مرتبات منتسبي القوات العسكرية والأمنية والقطاعات المدنية لشهور متتالية، ما أدى إلى تجريد آلاف الأسر من مصدر دخلها الوحيد وتعميق حالة الفقر المتقع. ​انهيار الطاقة والمياه:** الانقطاع المتواصل والممتد لتيار الكهرباء في ظل أجواء صيفية شديدة الحرارة، والتوقف الشبه تام لإمدادات مياه الشرب النظيفة في اغلب احياء مدينة عدن ، بالأضافة إلى غرق أحياء كاملة في مياه الصرف الصحي وتفشي الأوبئة. ​الغلاء الفاحش وتدهور العملة:** النهج الاقتصادي الذي أفضى إلى الانهيار القياسي للعملة المحلية، وما ترتب عليه من قفزات جنونية في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، وسط غياب تام للرقابة الحكومية وتغذية متعمّدة لظاهرة "السوق السوداء". ​معادلة "التركيع والتجنيد": جنوبيون وقوداً لحرب الرياض** ​تتقاطع هذه الممارسات الخدمية الخانقة مع أهداف الحسابات العسكرية للتحالف العربي وحلفائه؛ إذ تنطلق القراءات الاستراتيجية من أن هندسة هذه الأزمات المتلاحقة تجري وفق مخطط يسعى لإيصال الشارع الجنوبي إلى مرحلة العجز والإنهاك الكامل. ​وتكمن المقاربة الخطيرة في استغلال حالة التردي المعيشي وانعدام فرص العيش لدفع الشباب وأبناء القوات الجنوبية تحت وطأة الحاجة والبحث عن القوت الأساسي، للتجنيد والانخراط في أتون جبهات القتال الحدودية والمعارك الممتدة ضد القوات الشمالية. ويرى المتابعين أن هدف الرياض الأكبر يتجسد في تحويل الكوادر الجنوبية إلى "وقود حرب" لحماية حدودها وحسم صراعات لا ناقة للجنوبيين فيها ولا جمل، في الوقت الذي تتجنب فيه القيادات والقوى الحزبية المحسوبة على حزب "الإصلاح" والجانب السعودي التواجد في الميدان أو دفع أي تكلفة بشرية. وتؤكد الحقائق الميدانية المتراكمة في عدن وبقية المحافظات الجنوبية أن ما يحدث ليس مجرد نتاج لسوء الإدارة أو أزمات طارئة، بل هو مخطط عقاب جماعي ممنهج تشترك فيه أدوات المجلس الرئاسي والتحالف العربي بقيادة السعودية. ويبقى هذا الرهان المراهن على تركيع الشارع الجنوبي باستغلال أمعائه الخاوية لتوجيهه نحو خوض معارك الوكالة محاطاً بالرفض الشعبي والوعي السياسي الذي يربط بين نيل الحقوق الخدمية والتمسك بالحق في التحرر واستعادة الدولة.