فالقضايا الوطنية الكبرى، كما يذكّر متابعون للشأن الجنوبي، تبقى في الأصل أكبر من أي منصب أو مكسب آني، لأنها تمس هوية الأمة ومستقبل أجيالها وحقها في تقرير مصيرها. لكن مراحل سياسية بعينها تشهد محاولات لتحويل هذه القضايا إلى أوراق مساومة تُدار في أسواق النفوذ مقابل مواقع أو امتيازات أو دعم خارجي، وهي اللحظة التي يبدأ عندها، بحسب هذه القراءة، تراجع القرار الوطني المستقل. الارتهان للخارج، وفق هذا الطرح، لا يبدأ بالضرورة باحتلال عسكري مباشر، بل قد يتسلل عبر بوابة أضيق بكثير: حين تصبح أولوية بعض الشخصيات أو القوى السياسية هي الحفاظ على مواقعها، ولو كان الثمن تقديم تنازلات تمس ثوابت وطنية جوهرية. وحين تتحول المناصب إلى غاية بحد ذاتها، تتراجع المبادئ تباعاً، ويصبح القرار السياسي رهينة لإملاءات خارجية، فتفقد المؤسسات استقلاليتها تدريجياً، ويتراجع حضور الإرادة الشعبية في تشكيل المستقبل. ويرى مراقبون أن أخطر ما يواجه أي قضية وطنية هو انقسام أبنائها بين من يتمسك بالمشروع الوطني الجامع ومن يربط خياراته بحسابات خارجية ضيقة، إذ يُضعف هذا الانقسام الجبهة الداخلية، ويطيل أمد الأزمات، ويمنح القوى الإقليمية والدولية هامشاً أوسع للتأثير في مسار الأحداث بما يخدم مصالحها هي، لا بالضرورة مصالح الشعب المعني. التجارب التاريخية، كما يشير هؤلاء المراقبون، تؤكد أن الكيانات التي سمحت بتغليب الولاءات الخارجية على المصلحة الوطنية دفعت أثماناً باهظة تمثلت في تفكك مؤسساتها واستمرار صراعاتها وتعثر تنميتها وتآكل ثقة مواطنيها بقياداتهم، ذلك أن القضية الوطنية لا تُدار بعقلية الصفقات المؤقتة لأن نتائجها تمتد لسنوات وربما عقود. وفي ظل التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، يتجدد التذكير بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ باستقلال القرار السياسي نفسه، وبقدرة القيادات على مقاومة الضغوط التي تتعارض مع مصلحة أوطانها، فيما يبقى الرهان الأكبر على وعي الشارع الجنوبي بوصفه خط الدفاع الأول عن قضيته، إذ كلما اتسع هذا الوعي بخطورة الارتهان للخارج، تقلصت فرص تحويل الحقوق الوطنية إلى أوراق تفاوض أو أدوات لمكاسب فردية عابرة. فالمناصب، كما تثبت التجارب مراراً، زائلة، أما القضايا الوطنية فتبقى، والتاريخ لا يتذكر من جمع مكاسب مؤقتة بقدر ما يخلد من صان استقلال قراره الوطني ورفض تحويل قضيته إلى سلعة في سوق المصالح المتبادلة.