هذا ما يشعر به المواطن فعلاً حين يخرج إلى شارع تحوّل إلى فرن مفتوح، لا ظل فيه ولا كهرباء تنتظره حين يعود إلى بيته. الأرقام الرسمية تقول 37 درجة، لكن الرطوبة الساحلية الخانقة ومعها الإشعاع الشمسي العمودي يرفعان الإحساس الفعلي إلى 48 درجة — فارق لا يفهمه من يجلس في مكتب مكيّف يتحدث عن مؤشرات الطقس، ويعيشه بكل تفاصيله من يمكث داخل بيت من صفيح أو إسمنت بلا هواء ولا مروحة ولا قطرة ماء بارد. عدن شبه خالية اليوم، شوارعها أشبه بمدينة منكوبة في الظهيرة، والناس لاذوا بمنازلهم لا راحةً بل هرباً من ضربة شمس قد لا يقومون منها. لكن ما الذي ينتظرهم في تلك المنازل؟ ينتظرهم الظلام. تنقطع الكهرباء في أحياء عدن لأكثر من عشرين ساعة يومياً في ذروة الصيف، في مدينة تطل على بحر ويمر من موانئها نفط الجنوب المصدَّر إلى الخارج. لا مروحة تدور، لا مكيّف يعمل، لا ثلاجة تحفظ الدواء ولا ماء بارد يُخفف الاحتقان. المرضى في المستشفيات يواجهون مولدات تتوقف وأدوية تفسد وأطفال يُنقلون إلى أقسام الطوارئ بحالات إجهاد حراري لا يملك الأطباء أحياناً حتى الكهرباء الكافية لعلاجها. هذا ليس تقصيراً إدارياً، هذا ما تبدو عليه السياسة حين تتحول إلى سلاح. أما الحاكم الفعلي لعدن — المسؤول السعودي الشهراني الذي يدير المدينة من خلف الكواليس ولا يُسأل أمام أحد — فقد اختار هذه الأيام أن يُهدي المواطن المنهك شاشات عرض عملاقة لمتابعة مباريات المونديال في الهواء الطلق. الشاشات أُنجزت، والكهرباء التي تُشغّلها وُجدت، والأماكن المخصصة لها أُضيئت. فقط بيوت الناس تبقى في الظلام. الرسالة لا تحتاج إلى ترجمة: اصمتوا وتفرجوا. الحكومة المعترف بها دولياً من جانبها تواصل غيابها الناعم المعتاد. بيانات، اجتماعات، تصريحات عن خطط إصلاحية لا يرى المواطن منها شيئاً في فاتورة الكهرباء ولا على محول الحي ولا في درجة حرارة بيته. حكومة تتقن فن الحضور الإعلامي وتُتقن بالقدر ذاته فن الغياب عن الواجب. ورواتب موظفيها معلّقة في الهواء، وكأن التجويع ورقة تُلوَّح بها لإبقاء الناس مشغولين بالبقاء لا بالمطالبة. المجتمع الدولي الذي يعقد مؤتمرات عن الأزمة اليمنية ويُصدر بيانات القلق البالغ يرى كل هذا ويُقرّ به في تقاريره الخاصة، ثم يصمت صمتاً يُشبه الموافقة الضمنية. منظمات الأمم المتحدة وثّقت وباء حمى الضنك الذي حصد في عدن وحدها اثنتي عشرة وفاة وأكثر من ألف وثلاثمائة إصابة خلال أشهر، وأكثر من نصف ضحاياه أطفال وشباب — ثم أُدرج التقرير في ملف وانتهى. ما يجري في عدن اليوم ليس موجة حر مناخية تمر وتنتهي. ما يجري هو أن مدينة تُدار بالوصاية ولا تُحكم بالمسؤولية، تُستنزف مواردها وتُباع نفط جنوبها وتُحتجز رواتب أهلها، ثم حين تضربها موجة الحر لا تجد ما تقي به نفسها لأن من يُفترض أنهم يحكمونها مشغولون بشيء آخر تماماً. الموت هنا لا يأتي دفعةً واحدة، يأتي ببطء: درجة حرارة فوق درجة، وساعة انقطاع فوق ساعة، وطفل يُنقل إلى مستشفى لا يعمل مكيفه.