رأى دنيس كوركودينوف، رئيس المركز الدولي الروسي للتحليل السياسي والتنبؤ، أن نهج التحالف بقيادة السعودية في التعامل مع الملف الجنوبي يعيد إنتاج أخطاء تاريخية موثقة، في مقدمتها تجربة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حين أفضى تفكيك المؤسسات وإقصاء القوى الفاعلة على الأرض إلى فراغ واسع لم تملأه إلا الفوضى لسنوات طويلة. وفي صلب التقييم، يلفت المحلل الروسي إلى مفارقة سياسية صارخة: كلما زادت الضغوط على المجلس الانتقالي الجنوبي، اتسعت دائرة المتعاطفين معه شعبياً، بما فيهم قوى كانت في خلاف معه سابقاً — وهو ما يعكس قاعدة سياسية ثابتة مفادها أن سياسات الإقصاء تمنح المستهدَفين شرعية إضافية لا تستطيع قرارات التعيين والإقالة أن تسلبها. ويصف كوركودينوف الخطاب السعودي تجاه الجنوب بالتناقض الصريح؛ إذ تتحدث الرياض عن احترام الخيار الجنوبي وضرورة الحوار الشامل، بينما تُقصي في الوقت ذاته مكونات جنوبية رئيسية من المسارات السياسية، وتعتمد هياكل تمثيلية محدودة لا تحظى بثقل شعبي كافٍ لإنتاج أي تسوية قابلة للاستمرار. ولا يتوقف التقرير عند النقد، بل يمتد إلى الرهانات السعودية على القوى الإخوانية وبعض الجماعات المتشددة، معتبراً أن هذه الرهانات لم تُسهم في تحقيق الاستقرار بل زادت الاستقطاب وعمّقت فجوة الثقة بين المجتمع الجنوبي والأطراف الراعية لهذه السياسات. أما على الصعيد الاقتصادي، فيرى المحلل أن شراء الولاءات المؤقتة وإدارة التوازنات قصيرة الأمد لا يمكن أن يشكّلا بديلاً عن شراكة سياسية حقيقية، وأن استمرار النهج الراهن يعني استنزافاً متواصلاً للموارد المالية والسياسية دون أي اختراق فعلي في المشهد. وفي السياق الإقليمي الأشمل، يُشير التقرير إلى أن الإمارات ستبقى لاعباً مؤثراً في الجنوب بحكم ارتباطها الاستراتيجي بأمن الممرات البحرية وعلاقاتها مع القوى المحلية، وهو ما يجعل الرهان السعودي على إزاحة النفوذ الإماراتي كلياً رهاناً غير واقعي في المدى المنظور. وخلص كوركودينوف إلى أن الحل لا يمر إلا عبر حوار سعودي ـ جنوبي مباشر وشامل يُقرّ بجميع الأطراف الفاعلة، على غرار الحوارات التي أجرتها الرياض مع الأطراف اليمنية الأخرى، مؤكداً أن التسويات المستدامة لا تُبنى بتجاوز القوى الرئيسية، وإنما بإشراكها في صياغة المستقبل، وأن عقلية الوصاية السياسية لم تعد خياراً واقعياً في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.