من الدورة المنتظمة إلى التخبط المتعمد** كان سكان عدن يعرفون — وإن لم يرضوا — جدول توزيع المياه السابق القائم على دورة ثلاثية منتظمة تتناوب فيها المديريات: التواهي يوماً، فالمعلا يوماً، فالقلوعة يوماً، ثم تبدأ الدورة من جديد. نظام معيب لكنه قابل للتنبؤ وكافٍ في حده الأدنى لتنظيم الحياة اليومية. غير أن ما فاجأ السكان مؤخراً أن هذا الجدول تغيّر بصورة مفاجئة وبلا أي مبرر معلن أو قرار رسمي شفاف؛ إذ أُضيف يومان إضافيان لمديرية خورمكسر من حصة مديريتي التواهي والمعلا، في ما يصفه سكان المديريتين بالتمييز الصريح بين مواطنين من درجة أولى وآخرين من درجة ثانية. أرقام تُجسّد الأزمة** ما كان يصل كل ثلاثة أيام بات يصل كل أسبوع كامل في أحسن الأحوال، وفق شهادات سكان في التواهي والمعلا والقلوعة رصدتها مواقع إخبارية محلية متعددة. وفي أحياء عديدة، لا تصل المياه أصلاً حتى في موعدها المفترض، جراء تعارض ضغط الشبكة مع مولدات كهربائية ذات طاقة عالية تستأثر ببعض الأدوار على حساب المنازل السكنية في غياب أي رقابة. وتجد الأسر نفسها أمام خيارات مؤلمة: إما الانتظار المجهول أمام صنبور لا يُوعد بموعد، وإما اللجوء إلى صهاريج المياه المتجولة "البوزات" التي ارتفعت أسعارها بشكل لافت مع تصاعد الطلب، وإما الاعتماد على مصادر مائية غير آمنة تُهدد الصحة العامة في خضم موجة حر صيفية تُلهب درجات الحرارة في مدينة ساحلية شديدة الرطوبة. أعباء مالية فوق طاقة الأسر** تُشكّل تكلفة شراء المياه من الصهاريج عبئاً متصاعداً على أسر يُعاني معظمها أصلاً من تأخر الرواتب وتآكل القدرة الشرائية. ويُضاف إلى ذلك أن انقطاع الكهرباء لأكثر من 20 ساعة يومياً يُعطّل مضخات رفع المياه في الطوابق العليا، مما يجعل الأسر في الشقق المرتفعة الأكثر معاناة حتى حين يصل الضخ إلى الشبكة. صمت المجالس المحلية** ما يزيد الأزمة مرارةً أن المجالس المحلية في مديريات التواهي والمعلا والقلوعة آثرت الصمت إزاء ما يعيشه سكانها، دون أن تُصدر أي بيان أو تُحرّك أي مساعٍ للمطالبة بحلول، في حين لم تقدم إدارة المياه المختصة أي توضيح رسمي حول آلية التوزيع الجديدة أو الأسباب التي أفضت إلى هذا التغيير المفاجئ. ويرى مراقبون أن هذا الصمت المزدوج — من الإدارة ومن المجالس المحلية — لا يعكس عجزاً بقدر ما يعكس غياباً تاماً للمساءلة في منظومة خدمية تفتقر إلى أدنى معايير الحوكمة والشفافية. مطالب واضحة في مواجهة تهرب رسمي** لا يطالب سكان عدن بما يتجاوز حقهم الأساسي: مياه تصل بعدالة بين المديريات، وجدول توزيع واضح ومعلن مسبقاً، وإدارة تُقرّ بمشكلاتها بدل إخفائها. وتتصاعد المطالبات بتدخل محافظ عدن لمحاسبة الإدارة الحالية واستبدالها، وإلزام الجهات المختصة بوضع حلول جذرية ومستدامة لأزمة باتت تُهدد الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي في المدينة. وفي المحصلة، يظل سؤال واحد يتردد في أحياء عدن العطشى وسط اللهب الصيفي: إذا كانت الإدارة عاجزة عن توزيع المياه بعدالة بين مديريات متجاورة في مدينة واحدة، فكيف يمكن الثقة بها في إدارة ما هو أكبر وأكثر تعقيداً؟