لكن التبرير الرسمي لا يُخفف من وطأة التداعيات على مواطن يكافح أصلاً للبقاء فوق خط الفقر، إذ يُشكّل الديزل العصب الحيوي لمنظومة الإنتاج والنقل والخدمات في اليمن، ويعني كل ارتفاع في سعره ارتفاعاً متسلسلاً يطال كل شيء من الخضروات على رف السوق إلى المياه في صنبور المنزل. الزراعة أول الضحايا** حذّر مدير إدارة التسويق الزراعي بمكتب الزراعة والري في عدن المهندس أكرم سعيد من أن الأثر على القطاع الزراعي سيكون "كبيراً على مختلف مناحي الحياة وليس الزراعية منها فقط". ويعتمد غالبية المزارعين اليمنيين على الديزل لتشغيل مضخات استخراج المياه الجوفية لري محاصيلهم، إضافة إلى تشغيل الجرارات والمحاريث وشاحنات نقل المحاصيل إلى الأسواق. وضرب المهندس أكرم مثالاً كاشفاً على حجم التحول المرتقب: حين كان الريال السعودي يُعادل 700 ريال يمني، كانت شاحنة نقل 250 إلى 300 سلة من البطاطس القادمة من ذمار وإب وعمران تكلف نحو مليون و500 ألف ريال. وحين انخفض سعر الصرف إلى 410 ريالات، انخفضت تكلفة الشاحنة ذاتها إلى ما بين 600 و700 ألف ريال، وهو ما أسهم في استقرار نسبي في أسعار الخضروات. أما الآن، فيتوقع المسؤول الزراعي عودة تكلفة الشاحنة إلى مليون ونصف المليون ريال أو أكثر، مما يعني أن المواطن سيدفع فارق الرحلة كاملاً في كل كيلو يشتريه. تضاعف تكاليف الإنتاج** ولا تقف التداعيات عند حدود النقل، إذ يستلزم ارتفاع أسعار الديزل ارتفاعاً موازياً في تكاليف الأسمدة الكيماوية والبذور المستوردة التي ترتبط أسعارها مباشرة بتكاليف الشحن والنقل. ويُضاف إلى ذلك ارتفاع الضريبة الجمركية على البضائع المستوردة في ظل قرار تحرير سعر الدولار الجمركي الذي أصدرته الحكومة المعترف بها ذاتها في الفترة الأخيرة، فتتراكم الأعباء فوق بعضها في سياق واحد. موجة غلاء شاملة** يتجاوز أثر رفع الديزل الزراعة ليضرب قطاع توليد الكهرباء الذي يعتمد عليه معظم المولدات الخاصة في عدن والمحافظات الجنوبية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للتيار العام. كما سيطال قطاع الصيد الذي يشكّل مصدر رزق آلاف الأسر الساحلية، وقطاع المياه حيث تعتمد محطات الضخ على الديزل في مناطق واسعة. وفي المحصلة، يقف المواطن الجنوبي أمام معادلة قاسية: راتب متأخر وممسوس القيمة في مقابل أسعار سلع أساسية ترتفع بوتيرة لا تنتظر راتباً ولا تعبأ بقدرته الشرائية المتآكلة. وبينما تُبرر الحكومة المعترف بها قرارها بالمتغيرات الدولية، يرى الاقتصاديون أن غياب أي شبكة حماية اجتماعية تُرافق هذه القرارات يجعل من الفقراء وحدهم من يدفع فاتورة أزمات لم يصنعوها.