ألقى رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الذي لم ينتخبه أحد، كلمته بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لإعلان الوحدة اليمنية، متحدثاً عن مظالم عميقة لا يمكن تجاهلها، وعن رفض الهيمنة باسم الوحدة، وعن إنصاف الجنوب بوصفه مدخلاً لسلام عادل — في خطاب بدا للمستمع الجنوبي أقرب إلى تبرئة الذمة منه إلى الاعتراف بالمسؤولية. غير أن الذاكرة الجنوبية لا تنسى. فالرجل الذي يتحدث اليوم عن المظالم كان عام 2007 وزيراً للداخلية حين هبّ الجنوبيون في احتجاجات سلمية طالبوا فيها بحقوقهم المسلوبة، فكان الرد قمعاً وسقط ضحايا. ولا يمكن لمن كانت يداه جزءاً من تلك المرحلة أن يُقدّم نفسه اليوم صاحب إنصاف، فضلاً عن أن العليمي ينتمي إلى بقايا سلطة صنعاء التي صنعت ما بات يُعرف بـ"7 يوليو 1994"، ويتحمل بذلك قدراً من المسؤولية عما آلت إليه أحوال البلاد جنوباً وشمالاً. وفي قراءة متأنية لمضمون الخطاب، يبدو توظيف عبارة "رفض توظيف القضية الجنوبية ضد الدولة" لافتاً للانتباه؛ إذ يراها المراقبون تلويحاً ضمنياً بسيف ما تسمى بالشرعية في وجه الجنوبيين، في حين أن نفوذ العليمي الفعلي على الأرض لا يتجاوز أجزاء محدودة من محافظتي تعز ومأرب، بعد أن باتت عدن ومحافظات جنوبية عديدة خارج سيطرته الحقيقية. أما الحديث عن إنصاف القضية الجنوبية بوصفه "مدخلاً للسلام العادل"، فيفهم منه الجنوبيون شيئاً واحداً: إبقاء الجنوب داخل إطار الوحدة بالإكراه، مع الإصرار على رفض حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم. وهو في جوهره الموقف ذاته الذي لم يتغير منذ عقود، يُعاد تقديمه في كل مناسبة بلغة أكثر ليونة دون أن يتغير المضمون. وفي المحصلة، جاء الخطاب من عاصمة الراعي الإقليمي للحكومة المعترف بها دولياً، في توقيت يعيش فيه المواطن الجنوبي أقسى أيامه، ليؤكد ما يراه كثير من المراقبين: أن من يتحدث عن الجنوب من فنادق الرياض لا يملك — ولا يريد — أن يسمع صوت الجنوب الحقيقي. بقلم: عبدالقادر باراس — 21 مايو 2026م