المشهد يستحق التأمل طويلاً. هؤلاء الباعة ليسوا تجار عقارات ولا أصحاب شركات مرتبطة بنافذين، بل هم في الغالب آباء وأمهات يفترشون الأرض منذ الفجر تحت شمس لحج الحارقة ليبيعوا كيلوغرامات من الطماطم والسمك، عائلاتهم تنتظر ما تجنيه تلك البسطة المتواضعة. هؤلاء هم العشوائيون الذين تحركت لهم كل هذه الأجهزة. والأكثر مرارة أن المسؤولين أعلنوا بفخر أن الحملة حققت نجاحاً ملموساً رغم وجود تدخلات حاولت إفشالها — والتدخلات هنا هي على الأرجح أبناء المنطقة الذين رأوا أمام أعينهم مصدر رزق جيرانهم يُجرف بالجرافات. في المقابل، يسأل المواطن في تبن ولحج عموماً: أين هذا الحشد الأمني والإداري المهيب حين تنقطع الكهرباء لعشرين ساعة يومياً؟ وأين هو حين ترتفع أسعار المواد الغذائية أسبوعاً بعد أسبوع؟ وأين هو حين تتأخر الرواتب شهوراً؟ وأين هو من الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة ويسرق موارد المحافظة؟ الجواب واضح: المنظومة تتحرك بسرعة وكفاءة فائقة حين يتعلق الأمر بمن لا يملكون حماية ولا نفوذاً، وتتحول إلى شلل تام أمام من يملكونهما. أما الحل البديل الذي وعد به المسؤولون، وهو توجيه الباعة إلى أسواق مخصصة، فهو وعد سبق أن سمعه الجنوبيون مرات ومرات، في مدن تفتقر أحياؤها الشعبية إلى أبسط البنية التحتية، حيث يكون السوق المخصص في الغالب بعيداً عن الزبائن، أو غير مجهز، أو مشغولاً بمحسوبيات من نوع آخر. والخلاصة التي يستخلصها المواطن الجنوبي البسيط: الدولة الغائبة عن خدمته حاضرة بكل ثقلها حين يتعلق الأمر بطرده.