قبل أشهر، عُقدت في العاصمة عدن اجتماعات بين شخصيات وأعضاء جنوبيين من جهة، وأحمد باراس مصحوباً بالشهراني من جهة أخرى. وبحسب مصادر سياسية جنوبية مطلعة، لم تكن تلك اللقاءات حواراً بالمعنى الحقيقي، بل كانت ضغطاً منظماً للحصول على توقيعات تأييد إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي، في إطار مشروع سعودي أشمل يستهدف تفتيت الهياكل الجنوبية المنظمة. ولم تكن عدن المحطة الأولى في هذا المسار، إذ سبقتها اجتماعات مماثلة جرت في الرياض مع مجموعة أخرى من الشخصيات الجنوبية التي شاركت في مفاوضات باسم الانتقالي تحت ضغوط سعودية مباشرة. ولإقناع المشاركين، قُدِّمت حزمة من الوعود الملموسة: رواتب شهرية من الرياض تحل محل الحوافز التي كانوا يتلقونها من المجلس الانتقالي، إضافة إلى نقلهم إلى العاصمة السعودية للمشاركة في فريق سياسي لما سُمي بالحوار الجنوبي الجنوبي. وأعلن المستهدفون مواقفهم المطلوبة فأدّوا الدور المرسوم لهم، وبعدها انقطع كل شيء. لم تصل رواتب، ولم تُرتَّب رحلات إلى الرياض، ولم يُردَّ على أي رسالة. وتؤكد المصادر أن الشخصيات المعنية أرسلت مطالبات متكررة إلى باراس وإلى الجانب السعودي بما في ذلك الشهراني شخصياً دون أن تتلقى أي رد، والصمت كان هو الجواب الوحيد بعد انتهاء الحاجة إليهم. في المقابل، لم يكن مصير أحمد باراس كمصير من استخدمهم، إذ غادر إلى الرياض وانكب على تعزيز نفوذه الشخصي وترتيب مصالحه الخاصة، بل عمل لاحقاً على دفع نجله إلى واجهة المشهد عبر تشكيل مكوّن شبابي يحظى بدعم وتمويل سعودي، في مؤشر على أن الصفقة كانت ذات طابع شخصي عائلي لا وطني. وما جرى مع هؤلاء ليس حادثة معزولة، بل يكشف عن منهجية سعودية ثابتة في التعامل مع الملف الجنوبي تقوم على تحديد الشخصيات القابلة للاستمالة وتقديم وعود مغرية واستخراج ما يُراد منهم في لحظة بعينها ثم قطع كل خيوط التواصل بمجرد انتهاء دورهم، وهو نمط رصده مراقبون في أكثر من محطة منذ توقيع اتفاق الرياض عام 2019. ويذهب مراقبون إلى أن الهدف السعودي الفعلي من وراء هذه التحركات ليس بناء أي مشروع سياسي جنوبي حقيقي، بل إدارة حالة تشرذم دائمة تُبقي الجنوب رهينة صراعات داخلية مصنوعة وتُضعف أي هيكل تنظيمي قادر على التفاوض من موقع قوة، والدليل أن كل ما أُنجز حتى الآن من حوارات ووعود ومكونات لم يُفضِ إلى أي تحسين ملموس في حياة المواطن الجنوبي، بينما تواصل عدن أزماتها في الكهرباء والمياه والرواتب المتأخرة بعيداً عن أجندة الشهراني وباراس والمكونات الممولة من الرياض.